الرئيسية
القرآن الكريم
مدينة النجف
الحرم الحيدري
السوق الكبير
مقبرة وادي السلام
شخصيات مرجعية
شخصيات نجفية
أطول معمرة في النجف
سجل الزوار

مدينة النجف الأشرف

أهلا بكم في مدينتي

آية الله العظمى شيخ الطائفة السيد محسن الحكيم (قدس)
في أواسط الخمسينات من هذا القرن أصبحت المرجعية العامة بيد السيد محسن الحكيم، بعد أن توفي السيد أبو الحسن الاصفهاني والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.

والامام الحكيم هو أول مرجع عربي يحظى بموقع المرجعية العامة في القرن العشرين، وقد مكنه ذلك من التعرف على الساحة وظروفها ومؤثراتها بشكل دقيق، لا سيما الساحة العراقية التي عاش همومها وتوجهاتها وقدراتها منذ مطلع شبابه.

وعندما آلت المرجعية إلى الامام الحكيم، كان العراق يعيش تحولات فكرية واجتماعية وسياسية كبيرة، فالحكم الملكي كان يشهد سنواته الأخيرة، والتيارات المادية والقومية كانت تمارس نشاطاته وسط الأمة بصورة مؤثرة، ولم يكن للاسلاميين وجود فاعل آنذاك، فقد كانت هناك إرهاصات العمل الاسلامي الحركي، لكنه لم يتبلور بصورته الواضحة النهائية.

إن تلك الأجواء جعلت مهمة مرجعية الامام الحكيم في الاصلاح تبدو صعبة، لكنها ضرورية في الوقت نفسه، فما لم تقم المرجعية بسلسلة من الاعمال الاصلاحية في مختلف أوساط الأمة ومجالاتها، فإن الامة سينتهي أمرها إلى الضعف المتزايد والتدهور المرير.

 
ومع أن مهمة الاصلاح كانت صعبة، لكن هناك ثلاثة عوامل ساهمت في إمكانية المرجعية على تحقيق الاصلاح في أي مجال من مجالات الامة وهي :

أولاً : القاعدة الجماهيرية الواسعة التي كانت تقف وراء الامام الحكيم، فلم تشهد المرجعيات الدينية في القرن العشرين مرجعية حظيت بالتفاف الجماهير حولها في أكثر من بلد اسلامي مثل مرجعيه السيد الحكيم (قدس سره). وقد كان الالتفاف الجماهيري قوياً إلى درجة كبيرة بحيث أن كلمة منه كانت كافية لأن تحسم الموقف على صعيد السياسة، او العمل الثوري المسلح. وكانت هذه القوة التي تمتعت بها المرجعية عنصر قلق وخوف الأنظمة الحاكمة في البلدان ذات الاغلبية الشيعية، لا سيما في العراق، حيث كانت العشائر العراقية طوع بنان السيد الحكيم. وشكل ذلك ظاهرة في الحياة العراقية، حتّى أن السلطة العراقية كانت تحذر غضبة الامام الحكيم لأنها تدرك المخاطر التي تترتب على ذلك.

ثانياً : التحرك الاسلامي : نمت في ظل السنوات الأولى لمرجعية السيد الحكيم العامة، بوادر الوعي الحركي الاسلامي المكثف، حيث كانت هناك عدة محاولات لتأسيس حركات إسلامية، إنتهت بتأسيس حزب الدعوة الإسلامية على يد المرجع الشهيد السيد محمد باقرالصدر (قدس سره).

وقد سار حزب الدعوة منذ بدايات تأسيسه في خط المرجعية الدينية، ووفق تصوراتها العامة، وما كان ليخرج عن توجهاتها وتعاليمها
وعلى ضوء ذلك وضع الحزب إمكانياته في خدمة المرجعية، وفي المقابل لاقى منها دعماً وإحتضاناً ساهم في دعم مسيرته وتقوية نشاطاته، ففي مواكب الطلبة والاحتفالات الجماهيرية التي كان ينظمها الحزب، كانت هناك كلمة خاصة للامام الحكيم، وهذا يعني أن المرجعية ترعى وتبارك هذه الممارسات التي ينظمها حزب الدعوة.

وكان الأعضاء القياديون في الحزب يعقدون إجتماعاتهم مع الامام الحكيم عندما يستلزم الظرف ذلك، فيتلقون منه التوجيه والترشيد.

إن العلاقة الوثيقة بين المرجعية وبين حزب الدعوة الإسلامية، ساهمت في صنع واقع متين في الساحة العراقية، تمثل في قوة المرجعية وقوة الحركة الإسلامية، حيث كانت الحركة ذراعاً نشطاً وقوياً للمرجعية الدينية، ولقد فقدت بوفاة الامام الحكيم

سنداً قوياً لم يكن من السهل تعويضه.

ثالثاً : التجارب الاصلاحية السابقة : إستفادت مرجعية الامام الحكيم من التجارب الاصلاحية التي ظهرت في الساحة قبل أن تنعقد له المرجعية العامة. مثل النشاط الاصلاحي السياسي للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والنشاط الاصلاحي الاجتماعي للسيد محسن الأمين، والسيد أبو الحسن الاصفهاني، والاصلاح التبليغي للشيخ حبيب العاملي، والاصلاح العقائدي للشيخ محمد جواد البلاغي، والاصلاح التربوي والتعليمي للشيخ محمد رضا المظفر، وغيرهم من أعلام الاصلاح ورواده.

إن تلك التجارب كانت رصيداً مهماً للمشروع الاصلاحي عند السيد الحكيم، فقد قام (قدس سره) بمواصلة هذه الحركة الاصلاحية وتكميل حلقاتها، وتدعيم أركانها. وكان السيد الحكيم يمتلك وعياً سياسياً، واجتماعياً واسعاً ساعده على مواصلة الاصلاح، وتعميقه في الواقع العام من خلال جملة من المشاريع والنشاطات الاصلاحية، نوجزها بما يلي :
لتبليغ والاصلاح الحوزوي:

إهتم الامام الحكيم بتطوير أوضاع الحوزة العلمية بشكل عام، فقد أولى أهمية كبيرة لعدد الطلبة الدارسين في الحوزة، وبذل جهوده من أجل زيادة أعداد الطلبة، حتى نجح في جعل عدد الطلبة يتزايد بشكل ملحوظ في النجف الأشرف، وكان هؤلاء الطلبة ينتمون إلى قوميات مختلفة وبلدان شتى، فقد شهدت النجف وجود الطلبة من البلدان العربية، ومن غيرها مثل أفغانستان وباكستان والهند وجنوب شرق آسيا(1).

لقد هدف السيد الحكيم إلى جعل النجف الأشرف جامعة عالمية يقصدها الطلبة من كل مكان من بلدان العالم الاسلامي، وضمن هذا الاتجاه قام بمشروع تأسيس جامعة الكوفة الكبيرة، لكن السلطة البعثية صادرت المشروع والأموال المخصصة له.

وأسس (قدس سره) مدرسة العلوم الدينية التي تُعرف بالدورة وكانت مدة الدراسة فيها خمس سنوات، وهي تتولى تدريس الطلبة العلوم الدينية وفق نهج حديث يختلف عن النمط التقليدي المألوف في الدروس الحوزوية، وساهمت هذه المدرسة في إعداد مجموعة من العلماء الواعين والأكفاء في مجال التبليغ والعلوم الإسلامية.

لقد كان التبليغ الإسلامي في المرحلة التي سبقت مرجعية السيد الحكيم يعيش رتابة متأخرة عن الامة، وكان عدد المبلغين قليلا بشكل ملحوظ مقارنة بحاجة الأمة اليه، وقد تنبه الامام الحكيم إلى هذه الظاهرة المخلة فسعى إلى زيادة عدد المبلغين الدينيين من العلماء الوكلاء الذين كان يرسلهم إلى مختلف المناطق كممثلين عن المرجعية.

وقد مارس هؤلاء الوكلاء دورهم التبليغي الذي كان يعطي نتائج جيدة على أكثر من صعيد أهمها شدّ الأمة إلى المرجعية، وجعلها قريبة منها، كما أن المبلغ أو الوكيل كان يمثل حلقة الوصل بين المرجعية والأمة، وهي العلاقة التي تتسم بالضعف في الفترات السابقة. وقد ظل الاهتمام بالمبلغين والوكلاء ظاهرة ممتدة في المرجعيات التي أعقبت مرجعية السيد الحكيم (قدس سره).


 

التوعية الجماهيرية:

إهتم السيد الحكيم باصلاح الأمة إصلاحاً ثقافياً، فأسس مكتبة آية الله الحكيم في النجف النجف الأشرف، وأفتتح فروعاً لها في المدن المختلفة بالاعتماد على ابناء الحركة الإسلامية، وكان هذا الانجاز رائداً في العراق، حيث أمكن للشباب أن يبني نفسه ثقافياً من خلال الكتب المتوفرة له في هذه المكتبات.

وكانت مكتبات آية الله الحكيم تقوم بنشاطات أخرى مثل إقامة الاحتفالات الإسلامية في المناسبات، وعقد الندوات الجماهيرية التي تستضيف شخصيات علمية تتناول أهم ما تحتاجه الأمة في واقعها الذي تعيشه. وشكلت هذه المكتبات والنشاطات التي تقوم بها ظاهرة متميزة أمام المد الشيوعي الذي كان يسيطر على الساحة في تلك الفترة.

كما أن مرجعية الامام الحكيم كانت تمثل جبهة المواجهة القوية ضد المد الشيوعي، فقد تصدى رحمه الله للمد الشيوعي بقوة، وأصدر فتواه التاريخية التي جاء فيها : (الشيوعية كفر وإلحاد).

 
نبذة عن حياة الامام السيد أبوالقاسم الموسوى الخوئي (قده
لم تتعرض المرجعية الدينية في تاريخها و حوزتها العلمية منذ تحولها من بغداد الى النجف الأشرف عام 449 للهجرة (1057م)، على يد شيخ الطائفة الامام الطوسي (قده)، الي ظرف قاهر مشابه، كالذي مرت به خلال مرجعية الامام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، اذ تزامنت مرجعيته مع حكم جائر في العراق جعل من الشيعة و التشيع هدفا لطغيانه و إرهابه، خصوصا بعد الثورة الاسلامية في ايران، التي قلبت كثيرا من الموازين و اعتبرها النظام البعثي في العراق خطرا مباشرا عليه، لذلك جعل من الشيعة و المدن الشيعية هدفا لهذا الطغيان، و في تلك الظروف الصعبة الموجهة ضد الحوزة العلمية، كانت مهمة المرجع الأعلى الامام الخوئي تكاد تتنحصر في المحافظة على دور الحوزة و استقلالها، لمتابعة مهامها العلمية و الفقهية ، و استمرار الدور التاريخي لمدينة النجف الأشرف، التي تضم مرقد زميرالمؤمنين الامام على بن ابي طالب(ع)، في احتضان الحوزة الدينيةو معاهدها العلمية. في حين ارادت السلطة العراقية انحياز المرجعية الى جانبها في مواقفها اللاانسانية و اللااسلامية، و خصوصا في حروبها الظالمة مع الجيران، و طالبت السلطات الامام بإصدار فتوى ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية. وو عندما رفض ذلك رضوان الله تعالى عليه، كشرت السلطات العراقية أنيباها، و كانت أول بادرة اجرامية منها هى الاعتداء على منزل نجله الاكبر المغفور له السيد جمال الدين في محاولة لقتله عام 1979 م، و الذي اضطر من جرائها مغادرة العراق الى سوريا حتى توفي بعدها في ايران عام 1984 م. كما قامت السلطات باعتقال مجموعات كبيرة من رجال الدين و تلامذة الامام في الحوزة العلمية و اعدمت الكثيرين منهم، و في مقدمتهم تلميذ الامام و ابنه البار الشهيد السيد محمد باقر الصدر، و في عام 1980 م قامت السلطات بتفجير سيارة الامام الخاصة و هو في طريقه الي جامع الخضراء لا داء صلاة الظهر، و قد نجا من تلك الحادثة بأعجوبة بالغة كذلك تم اعدام آية الله السيد محمد تقي الجلالي معاون الامام الخاص ي المام عام 1982 م، و في عام 1985 م اغتيل صهر الامام سماحة آيةالله السيد نصر الله المستنبط، بواسطة زرقه بابرة سامة، كما اعتقل نجل الامام السيد ابراهيم، و صهر الامام السيد محمود الميلاني، و أكثر من مائة من افراد اسرته و معاونيه من العلماء . ولادته و هجرته الى النجف: ولد الامام الخوئي في ليلة النصف من شهر رجب سنة 1317 هـ الموافق 19/11/1899 م، في مدينة خوى من اقليم آذربيجان ، و قد التحق بوالده العلامة المغفور له آية الله السيد علي اكبر الموسوي الخوئي الذي كان قد هاجر قبله الي النجف الأشرف، و حيث كانت المعاهد العلمية في النجف الأشرف هي الجامعة الدينية الكبرى التي تغذي العالم الاسلامي كله و ترفده بالآلآف من رواد العلم والفضيلة علىالمذهب الامامي، فقد انضم سماحته و هو ابن الثالثة عشرة الى تلك المعاهد، و بدأ بدراسة علوم العربية و المنطق و الاصول و الفقه و التفسير و الحديث. منهجه العلمي يمتاز سماحة الامام الخوئي (قده) بمنهج علمي متميز و اسلوب خاص به في البحث و التدريس، ذلك انه كان يطرح في أبحاثه الفقهية و الاصولية العليا موضوعا، و يجمع كل ما قيل من الأدلة حوله، ثم يناقشها دليلا دليلا، و ما أن يوشك الطالب على الوصول الى قناعة خاصة، حتى يعود الامام فيقيم الادلة القطعية المتقنة على قوة بعض من تلك الادلة و قدرتها على الاستنباط، فيخرج بالنتيجة التي يرتضيها، و قد سلك معه الطالب مسالك بعيدة الغور في الاستدلال و البحث، كما هو شأنه في تأليفاته القيمة، بما يجد المطالع فيها من تسلسل للافكار و بيان جميل مع الدقة في التحقيق و البحث، و لذا فقد عرف بعلم الاصول و المجدّد. و لا تقتصر أبحاثه و تحقيقاته على هذين الحقلين في الاصول و الفقه، فهو الفارس المجلّي في علم الرجال او (الجرح و التعديل) و قد شيّد صرحا علميا قويما لهذا العلم و مدخليته في استنباط المسائل الاسلامية، جمعها في كتابه الشهير ‘‘ معجم رجال الحديث و تفصيل طبيقات الرواة ‘‘ ، كما بذل جهدا كبيرا في التفسير و علوم القرآن و ضعها في مقدمة تفسيره ‘‘ البيان في تفسير القرآن ‘‘ ، و غيرها من الحقول العلمية. و لهذا فقد جمع من حوله طيلة فترة تدريسه اعدادا كبيرة من طلبة العلوم الدينية و الاساتذة اللامعين ، ينتمون الى بلدان العالم المختلفة ، فكان هناك طلاب من سوريا و لبنان و الاحساء و القطيف و البحرين و الكويت و ايران و الباكستان و الهند و افغانستان و دول شرق آسيا و افريقيا مضافا الي الطلبة العراقيين، و لم يكتف سماحة الامام بتغذيتهم علميا و ثقافيا، و رعايتهم روحيا، بل امتد ذلك ليشمل تغطية نفقاتهم المعيشية من الحقوق الشرعية التي كانت تصل اليه، و هكذا فقد أسس سماحته مدرسة فكرية خاصة به ذات معالم واضحة في علوم الفقه و التفسير و الفلسفة الاسلامية و البلاغة و أصول الفقه و الحديث.
مشايخه تتلمذ الامام الخوئي (قده) على كوكبة من أكابر علماء الفقه و الاصول، و مراجع الدين العظام في بحوث الخارج، و من أشهر أساتذته البارزين: آية الله الشيخ فتح الله المعروف بشيخ الشريعة، المتوفى سنة 1339 هـ . آيةالله الشيخ مهدي المازندراني ، المتوفى سنفة 1342 هـ . آيةالله الشيخ ضياء الدين العراقي، 1278-1361 هـ . آيةالله الشيخ محمد حسين الغروي، 1296-1361هـ. آيةالله الشيخ محمد حسين النائيني ، 1273 – 1355 هـ ، الذي كان آخر أساتذته. كما حضر قدس سره ، و لفترات محددة عند كل من: آية الله السيد حسين البادكوبه أي ، 1293 – 1358 هـ ، في الحكمة و الفلسفة. آية الله الشيخ محمد جواد البلاغي، 1282 – 1352 هـ ، في علم الكلام و التفسير. آية الله السيد ميرزا علي آقا القاضي، 1285 – 1366 هـ ، في الاخلاق و السير و السولك و العرفان. و قد نال درجة الاجتهاد في فترة مبكرة من عمره الشريف، و شغل منبر الدرس لفترة تمتد الى أكثر من سبعين عاما، و لذا لقب بـ ‘‘ أستاذ العلماء و المجتهدين ‘‘. و له أجازة في الحديث يرويها عن شيخه النائيني عن طريق خاتمة المحديثين النوري، المذكور في آخر كتاب ‘‘ مستدرك الوسائل ‘‘ لكتب الامامية، و أهمها الكافي، و من لا يحضره الفقيه، و التهذيب، و الاستبصار، و وسائل الشيعة، و بحار الانوار، و الوافي، كما و له إجازة بالرواية عن طرق العامة، عن العلامة الشهير السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي قدس سره، المتوفي سنة 1377 هـ مؤلفاته لقد ألف سماحته عشرات الكتب في شتى الحقول العلمية المختلفة نذكر المطبوع منها: 1- أجود التقريرات، في أصول الفقه. 2- البيان ، في علم التفسير. 3- نفحات الاعجاز، في علوم القرآن. 4- معجم رجال الحديث و تفصيل طبقات الرواة، في علم الرجال، في 24 مجلدا. 5- منهاج الصالحين ، في بيان أحكام الفقه، في مجلدين و قد طبع 28 مرة. 6- مناسك الحج ، في الفقه. 7- رسالة في اللباس المشكوك ، في الفقه. 8- توضيح المسائل، في بيان أحكام الفقه، الرسالة العملية لمقلديه، طبع أكثر من ثلاثين مرة و بعدة لغات. 9- المسائل المنتخبة، في بيان أحكام الفقه، الرسالة العملية لمقلديه باللغة العربية، طبع أكثر من عشرين مرة. 10- تكملة منهاج الصالحين، في بيان أحكام الفقه ، في القضاء و الشهادات و الحدود و الديات و القصاص. 11- مباني تكملة المنهاج، في أسانيد الأحكام الفقهية، في القضاء و الشهادات و الحدود و الديات و القصاص. 12- تعليقة العروة الوثقى، لبيان آرائه الفقهية على كتاب ‘‘ العروة الوثقى ‘‘ لفقيه الطائفة المغفور له آية الله العظمي السيد محمد كاظم اليزدي قدس سره، كما و لا يزال البعض الآخر من مؤلفاته مخطوطا.
تلامذته لقد تتلمذ بين يدي سماحته عدد كبير من أفاضل العلماء المنتشرين في المراكز و الحوزات العلمية المدينيية الشيعية في أنحاء العالم، و الذين يعدون من أبرز المجتهدين من بعده، و منهم: 1 - آية الله السيد علي البهشتي – العراق. 2 - آية الله السيد علي السيستاني – العراق. 3 - آية الله الشيخ محمد اسحاق الفياض – العراق. 4 - آية الله الشيخ ميرزا علي الفلسفي – ايران . 5 - آية الله الشيخ ميرزا جواد التبريزي – ايران. 6 - آية الله السيد محمدرضا الخلخالي – العراق. 7 - آية الله الشيخ محمد آصف المحسني – افغانستان. 8 - آية الله السيد علي السيد حسين مكي – سوريا. 9 - آية الله السيد تقي السيد حسين القمي – ايران. 10- آية الله الشيخ حسين وحيد الخراساني – ايران. 11- آية الله السيدعلاء الدين بحرالعلوم – العراق. 12- آية الله المرحوم الشيخ ميرزا علي الغروي – العراق. 13- آية الله المرحوم السيد محمد الروحاني – ايران. 14- آية الله المرحوم الشيخ ميرزا يوسف الايرواني – ايران. 15- آية الله المرحوم السيد محي الدين الغريفي – البحرين. 16- آية الله الشهيد السيد عبدالصاحب الحكيم – العراق. 17- آية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر – العراق. 18- و غيرهم كثير من السادة العلماء و المشايخ كبار و أفاضل الأستاتذة ، ممن تتلمذ على الامام مباشرة أو على تلامذته في جميع الحوزات العلمية الدينية المعروفة. و قد ترك آية الله العظمى الامام الخوئي (قده) أبحاثا قيمة كثيرة في حقلي الفقه و الاصول، و هي الدروس التي كان يلقيها سماحته خلال مدة تزيد على نصف قرن على عدد كبير من أفاضل العلماء و أساتذة الحوزة العلمية الدينية في النجف الأشرف، من المجتهدين ذوي الاختصاص في الدراسات الدينية العليا، المعروفة بـ ‘‘ البحث الخارج ‘‘ (فقد ابتدأ رضوان الله تعالى عليه، بتدريس بحث الخارج سنة 1352 الى 1410 هـ، من دوز انقطاع) و قد قررت و دوّنت نظرياته الجديدة ، و آرائه العلمية القيمة تلك، في تقريرات كثير من السادة و المشايخ العلماء من تلامذته الافاضل، و التي تعتبر اليوم من أمهات المصادر الفقهية و الاصولية الحديثة للباحثين و العلماء، مما لا يستغني منها الاساتذة و الطلاب معا، و عليها يدور رحى البحوث و الدروس في هذين الحقلين في جميع الحوزات الدينية المعروفة. و من تلك البحوث التي عرضت على ساحته و أجاز طبعها هي: 1- التنقيح في شرح العروة الوثقى، تقرير الشيخ ميرزا علي الغروي، عشرة أجزاء (فقه). 2- تحرير العروة الوثقى ، تقرير الشيخ قربانعلي الكابلي (قده)، جزء واحد (فقه). 3- دروس في فقه الشيعة ، تقرير السيد محمد مهدي الخلخالي، أربعة أجزاء(فقه). 4- محاضرات في اصول الفقه، تقرير الشيخ محمد اسحاق الفياض، خمسة أجزاء(اصول). 5- المستند في شرح العروة الوثقى، تقرير الشيخ مرتضى البروجردي (قده) عشرة أجزاء (فقه). 6- الدرر الغوالي في فروع العلم الاجمالي، تقرير الشيخ رضا اللطفي، جزء واحد (اصول). 7- مباني الاستنباط ، تقرير السيد ابوالقاسم الكوكبي ، أربعة أجزاء (اصول). 8- مصباح الفقاهة، تقرير الشيخ محمد على التوحيدي (قده)، ثلاثة أجزاء (فقه). 9- مصابيح الاصول، تقرير السيد علاء الدين بحرالعلوم، جزء واحد (اصول). 10- المعتمد في شرح المناسك، تقرير السيد محمد رضا الخلخالي، خمسة أجزاء (فقه). 11- مصباح الاصول، تقرير السيد محمد سرور البهسودي (قده)، جزءان (اصول). 12- مباني العروة الوثقى ، تقرير الشهيد السيد محمدتقي الخوئي (قده)، أربعة أجزاء (فقه). 13- دراسات في الاصول العملية، تقرير السيد علي الحسيني الشاهرودي (قده)، جزء واحد(اصول). 14- فقه العترة في زكاة الفطرة، تقرير الشهيد السيد محمد تقي الجلالي (قده)، جزء واحد (فقه). 15- الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد، تقرير الشيخ غلام رضا عرفانيان (قده)، جزء واحد(فقه). 16- محاضرات في الفقه الجعفري ، السيد علي الحسيني الشاهرودي(قده)، ثلاثة أجزاء (فقه). 17- جواهر الاصول، تقرير الشيخ فخر الدين الزنجاني، جزء واحد (اصول). 18- الأمر بين الأمرين، في مسألة الجبر و الاختيار، تقرير الشيخ محمد تقي الجعفري، جزء واحد (اصول). 19- الرضاع، تقرير السيد محمد مهدي الخلخالي و الشيخ محمد تقي الايرواني، جزء واحد (فقه).
مرجعيته تدرج سماحته في نبوغه طالبا للعلم، فأستاذا، ثم مجتهدا و محققا يعد المجتهدين، فما أن التحق في عنفوان شبابه بدورس الخارج و تقرير بحوث أساتذته على زملائه، سرعان ما عقب شيوخه في أروقة العلم، بالتصدي لتدريس بحث الخارج، فانهالت عليه هجرة طالبي العلم من كل مكان، و قلدته المرجعية العليا جميع مسؤولياتها و شؤونها ، حتى أصبح زعيمها دون منازع، و مرجعا أعلى للمسلمين الشيعة، يقلده ملايين المؤمنين من أتباع مذهب الامامية في مختلف بقاع العالم، و طبعت رسائله العملية لبيان الاحكام الشرعية لمقلديه و بعدة لغات، و تلك بفضل نبوغه و تضلعه في مختلف العلوم الاسلامية ، و بلوغه الغاية من التقوى، و ألمعيته في إدارة الحوزات، و اهتمامه البالغ برفع مستوى العلماء، علميا و معيشيا، و في رعايته للمسلمين عموما . فكان (قده) منذ أيامه الاولى يعدّ بحق، زعيمها الواعد، حتى أصبح رمزا بارزا من رموز المرجعية الرشيدة، و علما من أعلام الاسلام، يخفق علي قمة الحوزات العلمية في كل مكان. خدماته الاجتماعية لم تتوقف قضية الخدمة و الاهتمام بالشؤون الاجتماعية لديه عند حد دون حد، أو بلد دون بلد بل كان للامة بحق بمثابة الاب المشفق علي ابنائه و المرجع الاعلى لهم، و مثلا لقيادة أهل البيت عليهم السلام، الذين هم خلفاء الرسول صلى الله عليه و آله، الذى يصفه الله تعالى يصفه الله تعالى بقوله (بالمؤمنين رؤوف رحيم)، و قد تجلت هذه المشاعر الابوية بشكل عملي واضح في كل يوم من ايام حياته الشريفة، و خصوصا في المحن و الشدائد التي حفل بها تاريخ هذه الامة المعاصر. كان الامام الراحل يحمل بين جنبيه قلبا كبيرا يتحرق و يتألم لمعاناة المسلمين، و لم يكتف بالتحرق الصادق بل قام بكل ما كان بوسعه لمساعدتهم عمليا، و تخفيف معاناتهم. و كان رضوان الله تعالى عليه يتابع بنفسه اخبار المسلمين و يصرف وقتا غير قليل من وقته الثمين، لمتابعة اهم الاخبار التي تتعلق بالاسلام و المسلمين، و طالما كان يؤرق و يترك النوم جرّاء حادثة محزنة يمني بها المسلمون هنا أو هناك و يمكن تناول خمسة محاور رئيسية لتوضيح اهتمام و رعاية الامام الراحل بشؤون الامة: أولا: الحوزات العلمية لقد تجاوزت رعاية الامام الراحل رضوان الله تعالى عليه للحوزات العلمية كل الحدود السابقة التي كانت مألوفة قبل مرجعيته العامة. فبعد ان كان الاهتمام منصبا على رعاية طلاب و مدرسي حوزة النجف الاشرف و قم المقدسة و المشهد المقدس في خراسان، فقد توسع اهتمام الامام السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه ليشمل الحوزات العلمية في كل المدن العراقية و الايرانية بتوسع أكثر، فشمل المدارس العلمية في باكستان و الهند، ثم تايلند و بنغلاديش ، ثم افريقيا ، ثم اوروبا و امريكا. و كذلك من جانب الرعاية المالية حيث لم تشهد الحوزات العلمية ازدهارا معاشيا في عصورها المختلفة كما شهدت تحت رعاية الامام الخوئي رضوان الله تعالى عليه. و من جانب التوسع الكمي و الكيفي الذين شهدتهما الحوزات العلمية تحت توجيهاته و رعايته، فيكفي ذكر انه أمر بانشاء عشرات المدارس العلمية التي أصبحت مراكز للتعليم و التعلم في بلاد كثيرة، نذكر بعضا منها في بلاد الهند و بنغلادش، كمدرسة صاحب الزمان في كهولنا – بنغلاديش ، و مدرسة أهل البيت في هوالي - البنغال الغربية، و مدرسة أميرالمؤمنين التي تعد اليوم نموذجا للحوزات العلمية في تلك البلاد، و مدرسة الامام الباقر عليه السلام في بهيوندي، و مدرسة الامام المهدي في علي ئور، و المدرسة الايمانية في نبراس و الحوزة العلمية في حيدر آباد، بالاضافة الي كثير من المدارس المنتشرة في أنحاء البلاد الهندية التي انشئت بأمره، أوالتي تم احياؤها بعد أن اضمحلت بسبب صروف الدهر. و لن ينسى أربعون مليون مسلم شيعي في الهند، أن الامام الخوئي رضوان الله تعالي عليه، كان محيي الحوزات العلمية و المراكز الدينية و باعث النهضة الاسلامية الجديدة في ربوع تلك البلاد الواسعة. و اما في باكستان فقد تأسست العشرات من المدارس العلمية و ازدهرت عشرات أخرى بسبب الاهتمام الكبير الذي اولاه هذا المرجع العظيم، و في افريقيا انشئت بأمره و تحت رعايته مدارس علمية في عدة بلدان ، خرجت و تخرج المبلغين الكثر الذين يرشدون الناس الي دين الحق. و في بريطانيا انشئت مدرسة السيد الخوئي في لندن للدراسات الحوزوية، و في امريكا الشمالية انشئت المدرسة الدينية في مدينة مداينا و كذلك في لبنان و سوريا و تركيا ، فان رعاية سماحة الامام الراحل عبر و كلاءه قد أدت الى تطور كبير في وضع طلبة العلوم الدينية في تلك البلاد، مضافا لما قدمه من خدمات جليلة و ما أضفى على الحوزات العلمية الرئيسية و مدارسها و مكتباتها و وضع طلابها و أساتذتها كحوزة النجف الاشرف و حوزة قم المقدسة و حوزة المشهد الرضوي، بتوابعها المختلفة المتعددة، التي تعتبر اليوم أساس و قوام الحوزات الدينية للطائفة و باختصار يمكن القول بأن الامام الخوئي رضوان الله تعالى عليه، كان رائد النهضة العلمية الحديثة و راعيها في العالم الاسلامي الشيعي المعاصر من دون منازع. ثانيا: المشاريع لقد كان الامام الراحل رضوان الله تعالى عليه ينتظر لسنوات طويلة ان تتوفر لديه الامكانات اللازمة لا نشاء مشاريع كبيرة يستمر نفعها الى الاجيال القادمة و تتسع دائرة الاستفادة منها الى ابعد حد ممكن كان ذلك ادراكا منه بطبيعة ظروف هذا العصر، و ضرورة انشاء المشاريع التي ترفع شأن المؤمنين و توفر لهم مصدرا و مركزا باقيا من مراكز النفع العام، فتوجه رضوان الله تعالى عليه الى انشاء مدينة متكاملة لطلاب العلم و مدرسي الحوزة العلمية في قم المقدسة و هي اليوم مدينة شامخة باسم »مدينة العلم« و هي غنية عن التعريف لشهرتها و ذيوع صيتها في اوساط أهل العلم. كما أنشيء بأمره رضوان الله تعالى عليه، مدرسة علميه في مدينة مشهد المقدسة تعد أكبر مدرسة علمية حوزوية في العالم الشيعي أجمع، و هي عماد و مركز الحوزة في الوقت الحاضر، و في لبنان كان مشروعه الكبير المعروف باسم ‘‘ مبرة الامام الخوئي ‘‘ دارا للايتام، تضم اليوم أكثر من الف و مائتي يتيم و يتيمة، يعيشون منعمين بوسائل الراحة و الرعاية، و قد شهدت بعض المنظمات الدولية المتخصصة ، لهذه المبرة، بأنها من أفضل دور رعاية الايتام في منطقة الشرق الاوسط. و مضافا لما ذكر في الهند، فقد تفضل رضوان الله تعالى عليه بالامر بانشاء مجمع ثقافي ضخم قرب مدينة بومبي على مساحة من الارض تقارب المليون قدم مربع، يعد أكبر مشروع اسلامي شيعي في العالم على الاطلاق، يشمل مدارس و ثانويات و كليات أكاديمية، و مدارس حوزوية، و معاهد مهنية، و مستشفى كبيرا، و مسجدا ضخما و توابع كثيرة، تجعل من المشروع مدينة متكاملة. و هذا المشروع الثقافي الخيري الاسلامي العملاق لوحده كاف لبيان عظمة الامام الراحل وسعة افقه و بعد نظره، و علوّ همته كما و قد أمر رضوان الله تعالى عليه بانشاء مشروع تعليمي ضخم آخر في مدينة اسلام آباد في باكستان. كما و أن مشروع المركز الاسلامي للامام الراحل مشهور في نيويورك ، و معه مدرسة للاطفال التي أصبحت محط آمال المؤمنين هناك، لانها السبيل الوحيد لانقاذ أبنائهم من الضياع في ذلك المجتمع الملوث الفاسد و هناك مشاريع كثيرة تفضل سماحته بدعمها ماديا و معنويا منتشرة في أنحاء العالم كالمكتبات العامة و المشاريع المتعددة في العراق و باكستان و الهند و تايلند و افريقيا و غيرها من البلاد. و ينبغي ان نوضح هنا جانبا هاما آخر من جوانب رعاية سماحته رضوان الله تعالى عليه للمشاريع النافعة، و ذلك عن طريق اجازاته السخية للمؤمنين بدفع الحقوق الشرعية المتعلقة بذمتهم للمشاريع الخيرية العامة مباشرة، و لا نبالغ اذا قلنا ان الالوف من المدارس و المساجد و الحسينيات و دور الايتام و المستشفيات و المستوصفات و غيرها من مشاريع الخير لكم تكن لتنجح و تتطور لولا اجازات سماحته و دعمه المادي و المعنوي لها ، و هي منتشرة في أنحاء المعمورة، و يحتاج رصدها الى كتاب ضخم. كما ان رعايته رضوان الله تعالى عليه للامة تجاوزت ذلك الحد و تعدته الى تشجيعه للرجال المخلصين أن ينظموا صفوف الامة و ينضموا أعمالها و مشاريعها و خدماتها. فكان رحمه الله تعالى، يشجع كثيرا و يؤكد على (تنظيم الامور) في الاعمال الدينية و الخيرية و الاجتماعية و لقد لقيت منه الجمعيات الشيعية المعروفة و النشيطة في مختلف البلدان كل الدعم و الاسناد و التأييد، بل أجاز بعضها باستلام الحقوق الشرعية و صرف جزء منها في المشاريع النافعة للامة. و كم هو ضروري لنا و للعاملين جميعا الاستمرار علي هدى مرجعنا الاعلى الراحل رضوان الله تعالى عليه، و السير قدما في تنظيم صفوف المسلمين و أتباع أهل البيت عليهم السلام و تنسيق جهودهم، ففي ذلك عزهم و فوزهم في الدنيا و الآخرة. ثالثا: مواقفه في معالجة أضرار الكوارث الطبيعية: كان الامام الخوئي رضوان الله تعالى عليه سباقا لاغاثة الملهوفين و نجدة المنكوبين في أية بقعة من بقاع الارض يسكنها اتباع آل البيت و يتوطن فيها التشيع، و ليس أدل على ذلك موقفه الرائع لا غاثة المنكوبين في الزلزال الاخير الذي ضرب أجزاء من شمال ايران، حتي أسعفهم بمبلغ تجاوز المليون دولار آمريكي لاعادة الاعمار و بناء و تعمير المدارس و المنازل و المرافق العامة و القرى المتضررة، و كذلك مساعدته الفورية لمنكوبي الخسف الذى أصاب كركيل في كشمير قبل بضع سنوات، و كذلك مساعدته لضحايا الجفاف في الهند.
رابعا : مواقفه في الازمات و المحن كان حريصا على ان يتباع الازمات و المحن التي يتعرض لها المؤمنون و المسلمون في انحاء الرض و يسعي بكل جهده لمساعدتهم ففي ايام الحرب العراقية الايرانية قدم رضوان الله تعالى عليه لمنكوبي و مشردي الحرب كل انواع الرعاية و المساعدات الممكنة. و كان في الوقت نفسه طودا شامخا امام الظالم الطاغية الذي حاول بكل وسائل الضغط و الايذاء ان ينتزع منه و لو كلمة واحدة لصالح نظامه الجائر فلم يفلح و انتصر الصبر الحسني و الجهاد الراسخ للامام الراحل رضوان الله تعالى عليه على ظلم الطاغية و دهائه خصوصا ان المعونات و الخدمات كانت متواصلة في المدن على طرفي النزاع تقدم المساعدات و تقدم الخدمات للمتضررين المقهورين في ايران و العراق طوال ثمان سنوات من الحرب و بعدها. و كان موقفه رضوان الله تعالى عليه من محنة المسلمين في افغانستان واضحا جليا ، فقد قدم كل انواع الدعم، حتى انه اجاز المؤمنين بدفع الحقوق الشرعية لتمويل عمليات الجهاد ضد الغزاة السوفيت و كان رضوان الله تعالى عليه يرسل مبالغ كبيرة مباشرة لدعم جهاد المؤمنين الافغان ضد الكفار. و في لبنان و فلسطين كان الامام رضوان الله تعالى عليه يشجب باستمرار اعمال اعداء الاسلام ، و يستنهض المسلمين لجمع صفوفهم في مواجهة عدوهم، و كان اضافة الى ذلك يرعى فقراء لبنان بتوزيع المواد الغذائية عليهم، و يدعم الوجود الاسلامي لهم بكل الوسائل الممكنة. كما و في أثناء غزو الكويت من قبل النظام الجائر في العراق عام 1990 م ، كان للامام الراحل رضوان الله تعالى عليه أروع المواقف في احتضان أبناء الكويت المشردين و المنكوبين ، فقد أمر وكلاءه في كافة البلاد التي تواجدوا فيها، لاحتضان أبناء الكوبت المشردين من بلادهم، و بدفع مبالغ كافية لرعياة شؤونهم و عوائلهم، الى ان انجلت الازمة، و أصدر فتواه الشهيرة إبان الغزو الغاشم، بحرمة الاستفادة او البيع و الشراء من مسروقات الكويت، و هو يرزخ في العراق تحت سلطة النظام الجائر الذي لا يرحم. و كذلك موقفه الخيّر في مساعدة المظلومين من المهرين العراقيين قبل الانتفاضة الاخيرة و بعدها في الخارج ، و رعاية أهليهم في الداخل، و غير ذلك من المواقف التي تثبت أنه كان رضوان الله تعالى عليه، كهفا يلوذ به اللائذون و يلجأ اليه المؤمنون. خامسا: تأسيس مؤسسة الامام الخوئي الخيرية أمر سماحة الامام الراحل رضوان الله تعالى عليه بتأسيس مؤسسة خيرية عالمية مسجلة رسميا، تجاوبا مع إحساسه بضرورة إرساء قواعد مؤسسات قوية قادرة على تقديم خدمات مستمرة للمؤمنين فلقد كانت المرجعيات الدينية تبني بنيانها و ترعاه، حتى اذا توفي المرجع توقف النمو و تراجع تدريجيا بينما تقوم مؤسسة الامام الخوئي الخيرية بوضعها الشرعي و القانوني اليوم برعاية المشاريع الكبرى التي اسسها سماحة الامام رضوان الله تعالى عليه، و هي مؤهلة للاستمرار لوقت طويل جدا ان شاء الله تعالى في خدمة المسلمين. ان تأسيس هذه المؤسسة بادرة مباركة ترسي مشاريع الطائفة على أسس قوية و تكلف لها الاتسمرار و التطور، و هي انجاز رائع و خطوة شجاعة قام بها المرجع الاعلى الذي ترك لهذه الامة تراثا ضخما من العلم و العلماء، و المساجد و المدارس، و المشاريع النافعة .. . و فوق كل ذلك المباديء العظيمة التي عاش من اجلها و كرس كل حياته الشريفة لها … الا وهي إعلاء كلمة الله تعالى و رفع راية محمد و آل محمد صلوات الله تعالي عليهم ، و خدمة المؤمنين
عبد الأعلى السبزواري هو من كبار مراجع التقليد عند الشيعة ومن فقهاء الإمامية شهد له العلماء والفقهاء بالمكانة العلمية والفقهية. شخصية معروفة في العالم الشيعي.
 نسبه الشريف: هو سماحة السيد ايه الله العظمى السيد عبد الاعلى السبزواري خلف العلامه المقدس السيد علي رضا نجل السيد عبدالعلي بن السيد عبدالغني بن السيد محمد الذي تصل شجرة عائلته المباركه إلى السيد محمد العابد بن الإمام الكاظم (عليه السلام) ومنه عبر آبائه إلى مولانا ومولى الثقلين أمير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، ينتمى إلى عائله عريقه معروفه بالعلم و التقوى فوالده السيد عبدالرضا السبزواري معروف بالزهد والورع وهو من اكابر علماء سبزوار وعمه السيدعبدالله السبزواري رحمة الله عليه عالم جليل و فاضل خطيب متكلم ،واخوه ايه الله السيد فخر الدين وقد كان فرعا من هذه الشجره المباركه تزوج قدس سره من علويه من آل المدرسي وهي اسرة كريمه معروفه بالعلم والتقوى وانجب منها اربعه اولاد ،,انثى واحده تزوجت العلامه الحجه السيد حسين الشاهرودي ، وثلاثه ذكور هم سماحة آية الله محمد السبزواري رحمة الله عليه وكان يعد من اكابر اساتذة الحوزة في النجف الاشرف على مستوى السطح العالي ، ولما هاجر إلى إيران بدأ تدريس البحث الخارج وقد توفي في شهر ذي القعدة عام 1414هـ على اثر حادث مؤلم وقع له بين قم المقدسه وطهران وثاني اولاد السيد من الذكور هو ( سماحة العلامة السيد علي السبزواري حفظه الله ) من اساتذة النجف الاشرف ويعرف في اوساطها بالتضلع بالعلوم العقليه وهو صوره مطابقة لوالده بالورع والاخلاق ويشغل حاليا مكان ابيه في المهام الاجتماعيه و قضاء حوائج المؤمنين . وثالث أولاد السيد المغفور هو سماحه السيد العلامه حسين السبزواري حفظه الله وهو يؤدي دوره الجماعي من خلال صلاة الجماعه وبث تعاليم الدين الاسلامي وارشاد الناس وتعليمهم وهو مقيم حاليا بمشهد المقدسة .
 
 ولادته: ولد قدس سره في مدينه سبزوار في اليوم الثامن عشر من ذي الحجه عام 1328 هـ الموافق 1910 م.
 نشأته قدس سره الشريف : نشأ السيد قدس سره في كنف ابيه وتحت رعايته فتعلم القراءه والكتابه في سن مبكره ثم درس الاوليات في النحو و الصرف و المنطق وبعض المتون الفقهيه حتى اكمل مرحله السطوح عند ذلك قرر والده ارساله إلى مدينه مشهد المقدسه لوجود مركز علمي فيها يقول السيد السبزواري قدس سره " جاء بي ابي إلى حرم الامام الرضا عليه السلام ووضع يدي على ضريحه مخاطباً الامام عليه السلام وقال هذا وديعه وامانه عندك اطلب منك ان اراه مرجعاً من المراجع " وكان عمري انذاك ثمان سنوات.
 دراسته وتدريسه : بعد إكماله دراسة المقدّمات في سبزوار ، سافر إلى مشهد وهو في سن الرابعة عشر من عمره لدراسة السطوح ، ثمّ سافر إلى مدينة النجف الأشرف لإكمال دراسته الحوزوية ، وأخذ يحضر دروس أساتذتها المعروفين أمثال آية الله الشيخ محمد حسين النائيني، وآية الله ضياء الدين العراقي، وآية الله السيد أبو الحسن الاصفهاني ، ثمّ استقلَّ بالتدريس في مسجده الذي كان يقيم فيه صلاة الجماعة بمحلَّة الحُوَيش في النجف الأشرف ، فتخرَّج عنده العديد من الفضلاء .
 أساتذته : نذكر منهم ما يلي : 1ـ الشيخ محمّد حسين الغروي الأصفهاني ، المعروف بالكمباني . 2ـ السيّد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني. 3ـ الشيخ محمّد حسين الغروي النائيني. 4ـ الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء . 5ـ السيّد علي القاضي الطباطبائي . 6ـ الشيخ أبو الحسن المشكيني . 7ـ الشيخ ضياء الدين العراقي. 8ـ الشيخ محمّد جواد البلاغي. 9ـ الشيخ عبد الله المامقاني .
 تلامذته : نذكر منهم ما يلي : 1ـ السيّد جمال الدين الحسيني الاسترآبادي . 2ـ السيّد عبد العزيز الطباطبائي اليزدي . 3ـ السيّد أبو الحسن مجتهد المزارعي . 4ـ الشيخ حسين الراستي الكاشاني . 5ـ ابنه ، السيّد علي السبزواري . 6ـ الشيخ محمّد تقي الجعفري . 7ـ الشيخ نور الدين الواعظي . 8ـ السيّد علاء الدين الغريفي . 9ـ الشيخ قربان علي الكابلي .
 مؤلفاته : لمؤلفات السيد رحمة الله عليه سر عظيم ذلك انها خرجت من قلب نوراني مملوء بالعلم اللدني من الله تبارك وتعالى . ومما يحكى حول مؤلفاته ان سبب تسميه كتاب التفسير ب مواهب الرحمن انه قدس سره رأى النبي صلى الله عليه واله وسلم في المنام وقد اعطاه نسخه من المصحف الشريف قائلا له " خذ مواهب الرحمن " وبناء على تلك الرؤيه سمى كتاب التفسير بمواهب الرحمن كما ان أحد المؤمنين رآه في الرؤيا فطلب منه اي يحكي له ما حصل في الليله الاولى من دفنه فقال : كنت اجلس في غرفتي فدخل علي امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وكانت مؤلفاتي حولي فاخذ واحدا فورقه وتفحصه فقال : نعم ما كتبت وذكر هذا الشخص انه سأل السيد : اذا سألنى أحد عن كتبك ومؤلفاتك انها مرضيه عند الحجه عجل الله فرجه فقال ..ان امير المؤمنين قال انها حسنة .
 مؤلفاته : نذكر منها ما يلي : 1ـ إفاضة الباري في نقض ما كتبه الحكيم السبزواري . 2ـ مهذَّب الأحكام في بيان الحلال والحرام . 3ـ مباحث مهمّة فيما تحتاج إليه الأُمّة . 4ـ مواهب الرحمن في تفسير القرآن . 5ـ رفض الفضول عن علم الأُصول . 6ـ حاشية على تفسير الصافي . 7ـ حاشية على العروة الوثقى . 8ـ حاشية على جواهر الكلام . 9ـ حاشية على بحار الأنوار . 10ـ جامع الأحكام الشرعية . 11ـ حاشية وسيلة النجاة . 12ـ منهاج الصالحين . 13ـ اختلاف الحديث . 14ـ تهذيب الأُصول . 15ـ لباب المعارف . 16ـ فروع الدين . 17ـ مناسك الحج . 18ـ معين الفقيه . 19ـ التقية .
 عبادته : كان السيد السبزواري عاشقا للصلاة فقد كانت قرة عينه ومعراجه لله عز وجل ، لذلك كان يوصي اتباعه بالصلاة أول الوقت وكان لا يترك النوافل اليوميه مع امامته للجماعه إلى مرحله متأخره من عمره الشريف فاذا لم يؤدها في وقتها قضاها بعد الوقت وكان محبا لصلاة الليل المباركه لدرجه انه ادخل في موسوعته الفقهيه كيفيه صلاة الليل مع ادعيته بالتفصيل ولما سئل عن ذلك قال لعل الله يوفق من يطبعها.
 علمه في الفقه : يعرف علمه في الفقه من خلال موسوعته الفقهيه الاستدلاليه التى تقع في ثلاثين مجلد والتى تمتاز باحتوائها على الكثير من الفروع الفقهيه النادره استعراضها للمسائل المستحدثه مع سلاسه البيان ووضوح العبارة ويعود السبب إلى علو مقامه في الفقه انه رحمة الله عليه قرأ الكتب الفقهيه طوال عمره الشريف فقد قرأ كتاب جواهر الكلام ( 42مجلد ) من البدايه إلى النهاية ست مرات وقرأ كتاب بحار الانوار (110مجلد ) مرتين وقرأ كتاب القضاء من الوسائل ستين مرة وقام بتدريس الفقه على مستوى البحث الخارج طوال خمسين عام,, واستطاع من خلال الخمسين سنه المتقدمه ان يباحث ثلاث دورات فقهيه وهو امر تفرد به وحده يقول الشيخ اية الله الكشميري انه ونتيجه لقراءته لكتاب الجواهر اصبح قادرا على معرفه الروايات المضمره من اي معصوم صدرت (ويقصد بالمضمره الرواية التي لم يذكر من اي معصوم صدرت) .
 
 مرجعيته : بعد وفاة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره)، أخذ الكثير من المؤمنين يرجعون إليه في تقليدهم؛ إلا إن ذلك لم يدم طويلا لانتقاله إلى رحمة الله. وقد ساهم السيد السبزواري خلال مرجعيته في نشاطات سياسية واجتماعية، واضطلع بنشاط إصلاحي في مدينة النجف أواخر أيام حياته.
 وفاته :
 كانت وفاته في صباح يوم السادس والعشرين من شهر صفر عام 1414 هـ ونقل جسده المبارك إلى الحرم العلوي وصلى عليه ايه الله السيد علي البهشتي دام ظله ودفن في المكان المعد لدفنه في شارع الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم بجوار المسجد الذي يصلي فيه.
  
آية الله العظمى السيد علي السيستاني ( حفظه الله تعالى
ولادته ونشأته
 ولد سماحته في التاسع من شهر ربيع الاول عام (1349 هـ . ق) في المشهد الرضوي الشريف، وسماه والده علي تيمناً باسم جده الآتي ذكره . والده هو المقدس المرحوم السيد محمد باقر ، وأما جده الادنی فهو العالم الجليل (السيد علي) الذي ترجم له العلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني في طبقات أعلام الشيعة (القسم الرابع ص 1432) وذكر انه كان في النجف الاشرف من تلامذة الحجة المؤسس المولی علي النهاوندي وفي سامراء من تلامذة المجدد الشيرازي، ثم اختص بالحجة السيد اسماعيل الصدر، وفي حدود سنة (1308 هـ) عاد الی مشهد الرضا (عليه السلام) واستقر فيه وقد حاز مكانة سامية مع ما كان له من حظ وافر في العلم مع تقی وصلاح، ومن تلامذته المعروفين الفقيه الكبير الشيخ محمد رضا آل ياسين (قدس سره( ثم انتقل إلی الحوزة العلمية الدينية في قم المقدسة علی عهد المرجع الكبير السيد حسين البروجردي (قدس سره) في عام (1368هـ،) وحضر بحوث علماء وفضلاء الحوزة آنذاك، منهم السيد البروجردي (قدس سره) في الفقه والأُصول، وقد أخذ الكثير من خبرته الفقهية ونظرياته في علم الرجال والحديث، كما حضر درس الفقيه العالم الفاضل السيد الحجة الكوهكمري (قدس سره) وبقية الأفاضل في حينه. كانت أسرته (وهي من الاسر العلوية الحسينية) تسكن في اصفهان علی عهد السلاطين الصفويين وقد عين جده الاعلی (السيد محمد) في منصب شيخ الاسلام في سيستان في زمن السلطان حسين الصفوي فانتقل اليها وسكنها هو وذريته من بعده. وأول من هاجر من أحفاده الی مشهد الرضا (عليه السلام) هو المرحوم (السيد علي) المار ذكره حيث استقر فيه برهة من الزمن في مدرسة المرحوم الملا محمد باقر السبزواري ومن ثم هاجر الی النجف الاشرف لاكمال دراسته. نشأ سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) في أُسرة علمية دينية ملتزمة، وقد درس العلوم الابتدائية والمقدمات والسطوح، وأعقبها بدراسة العلوم العقلية والمعارف الإلهية لدی جملة من أعلامها ومدرسيها حتی أتقنها. بدأ سماحة السيد (دام ظله) وهو في الخامسة من عمره بتعلم القرآن الكريم ثم دخل مدرسة دار التعليم الديني لتعلم القراءة والكتابة ونحوها، فتخرج من هذه المدرسة وقد تعلم أثناء ذلك فن الخط من استاذه (الميرزا علي آقا( في أوائل عام (1360 هـ.ق) بدأ بتوجيه من والده بقراءة مقدمات العلوم الحوزوية، فأتم قراءة جملة من الكتب الادبية كشرح الألفية للسيوطي والمغني لابن هشام والمطول للتفتازاني ومقامات الحريري وشرح النظام عند المرحوم الاديب النيشابوري وغيره من أساتذة الفن، وقرأ شرح اللمعة والقوانين عند المرحوم السيد احمد اليزدي وقرأ جملة السطوح العالية كالمكاسب والرسائل والكفاية عند العالم الجليل الشيخ هاشم القزويني، وقرأ جملة من الكتب الفلسفية كشرح منظومة السبزواري وشرح الاشراق والاسفار عند المرحوم الآيسي، وقرأ شوارق الالهام عند المرحوم الشيخ مجتبی القزويني، وحضر في المعارف الالهية دروس العلامة المرحوم الميرزا مهدي الاصفهاني المتوفی أواخر سنة (1365 هـ.ق) كما حضر بحوث الخارج للمرحوم الميرزا مهدي الآشتياني والمرحوم الميرزا هاشم القزويني (قدس سرهما( وفي أواخر عام (1368 هـ.ق) هاجر الی قم المقدسة لاكمال دراسته فحضر عند العلمين الشهيرين السيد حسين الطباطبائي البروجردي والسيد محمد الحجة الكوهكمري، وكان حضوره عند الاول في الفقه والاصول وعند الثاني في الفقه فقط. وخلال فترة اقامته في قم راسل العلامة المرحوم السيد علي البهبهاني (عالم الاهواز الشهير ومن اتباع مدرسة المحقق الشيخ هادي الطهراني) وكان موضوع المراسلات بعض مسائل القبلة حيث ناقش سماحة السيد (دام ظله) بعض نظريات المحقق الطهراني ووقف السيد البهبهاني موقف المدافع عنها وبعد تبادل عدة رسائل كتب المرحوم البهبهاني لسماحة السيد رسالة تقدير وثناء بالغين موكلاً تكميل البحث الی حين اللقاء به عند تشرفهما بزيارة الامام الرضا (عليه السلام( وفي أوائل عام (1371 هـ.ق) هاجر من مدينة قم الی النجف الاشرف، فوصل كربلاء المقدسة في ذكری أربعين الامام الحسين (عليه السلام) ثم نزل النجف فسكن مدرسة البخارائي العلمية وحضر بحوث العلمين الشهيرين آية الله العظمی السيد أبو القاسم الخوئي والعلامة الشيخ حسين الحلي (قدس سرهما) في الفقه والاصول ولازمهما مدة طويلة، وحضر خلال ذلك أيضاً بحوث بعض الاعلام الآخرين منهم الامام الحكيم والسيد الشاهرودي (قدس سرهما( وفي أواخر عام (1380 هـ.ق) عزم علی السفر الی موطنه (مشهد الرضا عليه السلام) وكان يحتمل استقراره فيه فكتب له استاذه آية الله العظمی السيد الخوئي واستاذه العلامة الشيخ الحلي (قدس سرهما) شهادتين ببلوغه درجة الاجتهاد، كما كتب شيخ محدثي عصره الشيخ أغا بزرك الطهراني صاحب الذريعة شهادة اخری يطري فيها علی مهارته في علمي الحديث والرجال. وعندما رجع الی النجف الاشرف في أوائل عام (1381 هـ.ق) ابتدأ بالقاء محاضراته (الدرس الخارج) في الفقه في ضوء مكاسب الشيخ الانصاري واعقبه بشرح العروة الوثقی فتم له منه شرح كتاب الطهارة وأكثر كتاب الصلاة وبعض كتاب الخمس وفي عام (1418 هـ.ق) بدأ بشرح كتاب الاعتكاف بعد ان انتهی من شرح كتاب الصوم منذ فترة غير بعيدة ويواصل في هذه الايام (شعبان 1423 هـ.ق) تدريس كتاب الزكاة من شرح العروة. وقد كانت له محاضرات فقهية أخری خلال هذه السنوات تناولت كتاب القضاء وأبحاث الربا وقاعدة الالزام وقاعدة التقية وغيرهما من القواعد الفقهية . كما كانت له محاضرات رجالية شملت حجية مراسيل ابن ابي عمير وشرح مشيخة التهذيبين وغيرهما. وابتدأ (دام ظله) بالقاء محاضراته في علم الاصول في شعبان عام (1384 هـ.ق) وقد أكمل دورته الثالثة في شعبان عام (1411 هـ.ق) ويوجد تسجيل صوتي لجميع محاضراته الفقهية والاصولية من عام (1397 هـ.ق( اشتغل سيدنا الأُستاذ بالبحث والتدريس بإلقاء محاضراته (البحث الخارج) (1381 هـ.ق) في الفقه علی ضوء مكاسب الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) وأعقبه بشرح كتاب العروة الوثقی للسيد الفقيه الطباطبائي (قدس سره)، فتم له من ذلك شرح كتاب الطهارة وأكثر فروع كتاب الصلاة وبعض كتاب الخمس. كما ابتدأ بإلقاء محاضراته (البحث الخارج) في الأُصول في شهر شعبان المعظم (1384 هـ.ق) وقد أكمل دورته الثالثة منها في شعبان المعظم سنة (1411 هـ) وقد سجل محاضراته الفقهية والأُصولية في تقريرات غير واحد من تلامذته.
نبوغه العلمي لقد برز سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) في بحوث أساتذته بتفوق بالغ علی أقرانه وذلك في قوة الإشكال، وسرعة البديهة، وكثرة التحقيق والتتبع في الفقه والرجال، ومواصلة النشاط العلمي، وإلمامه بكثير من النظريات في مختلف الحقول العلمية الحوزوية. ومما يشهد علی ذلك شهادة خطية من الإمام الخوئي (رضوان الله تعالی عليه) وشهادة أُخری من العلامة الشيخ حسين الحلي (قدس سره)، وقد شهدا ببلوغه درجة الاجتهاد في شهادتين مؤرختين في عام (1380 هـ.ق) مغمورتين بالثناء الكبير علی فضله وعلمه، علی أن المعروف عن الإمام الخوئي (قدس سره) أنه لايشهد لأحد من تلامذته بالاجتهاد شهادة خطية، إلا لسيدنا الأُستاذ وآية الله الشيخ علي الفلسفي من مشاهير علماء مشهد المقدسة. كما كتب له شيخ محدثي عصره العلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني (قدس سره) شهادة مؤرخة في عام (1380 هـ) أيضاً يطري فيها علی مهارته في علمي الرجال والحديث. أي أن سيدنا الاستاذ قد حاز علی هذه المرتبة العظيمة بشهادة العظماء من العلماء وهو في الحادية والثلاثين من عمره. منهجه في البحث والتدريس وهو منهج متميز علی مناهج كثير من أساتذة الحوزة وأرباب البحث الخارج، فعلی صعيد الأُصول يتجلی منهجه بعدة خصائص: أ ـ التحدث عن تاريخ البحث ومعرفة جذوره التي ربما تكون فلسفية، كمسألة بساطة المشتق وتركيبه، أو عقائدية وسياسية كبحث التعادل والتراجيح الذي أوضح فيه أن قضية اختلاف الأحاديث فرضتها الصراعات الفكرية العقائدية آنذاك والظروف السياسية، التي أحاطت بالأئمة (عليهم السلام) ومن الواضح أن الاطلاع علی تاريخ البحث يكشف عن زوايا المسألة ويوصلنا إلی واقع الآراء المطروحة فيها. ب ـ الربط بين الفكر الحوزوي والثقافات المعاصرة. ففي بحثه حول المعنی الحرفي في بيان الفارق بينه وبين المعنی الاسمي، وهل هو فارق ذاتي أم لحاظي؟ اختار اتجاه صاحب الكفاية في أن الفرق باللحاظ، لكن بناه علی النظرية الفلسفية الحديثة، وهي نظرية التكثر الإدراكي في فعالية الذهن البشري وخلاقيته، فيمكن للذهن تصور مطلب واحد بصورتين، تارة بصورة الاستقلال والوضوح فيعبر عنه بـ (الاسم)، وتارة بالانقباض والانكماش ويعبر عنه بـ (الحرف( وعندما دخل في بحث المشتق في النزاع الدائر بين العلماء حول اسم الزمان، تحدث عن الزمان بنظرة فلسفية جديدة في الغرب، وهي انتزاع الزمان من المكان بلحاظ تعاقب النور والظلام، وفي بحثه حول مدلول صيغة الأمر ومادته وبحثه في التجري فقد طرح نظرية بعض علماء الاجتماع من أن تقسيم الطلب لأمر والتماس وسؤال نتيجة تدخل صفة الطالب في حقيقة طلبه من كونه عالياً أو مساوياً أو سافلاً. وكذلك جعل ضابط استحقاق العقوبة عنوان تمرد العبد وطغيانه علی المولی وأن ذلك مبني علی التقسيم الطبقي للمجتمعات البشرية القديمة من وجود موالٍ وعبيد، وعالٍ وسافل، وما أشبه ذلك، فهذه النظرية من رواسب الثقافات السالفة التي تتحدث باللغة الطبقية، لا باللغة القانونية المبنية علی المصالح الإنسانية العامة. ج ـ الاهتمام بالاُصول المرتبطة بالفقه، وأن الطالب الحوزوي يلاحظ في كثير من العلماء إغراقهم وإسهابهم في بحوث أُصولية، لايُعد الإسهاب فيها إلا ترفاً فكرياً، لاينتج ثمرة عملية للفقيه في مسيرته الفقهية، كبحثهم في الوضع وكونه أمراً اعتبارياً أو تكوينياً، وأنه تعهد أو تخصيص، وبحثهم في بيان موضوع العلم وبعض العوارض الذاتية في تعريف الفلاسفة لموضوع العلم، وما شاكل ذلك. ولكن الملاحظ في دروس سيدنا الأُستاذ هو الإغراق وبذل الجهد الشاق في الخروج بمبنی علمي رصين في البحوث الأُصولية المرتبطة بعملية الاستنباط، كمباحث الأُصول العملية، والتعادل والتراجيح، والعام والخاص، وأما البحوث الأُخری التي أشرنا لبعض مسمياتها، فبحثه فيها
بمقدار الثمرة العلمية في بحوث أُخری أو الثمرة العملية في الفقه. د ـ الإبداع والتجديد: هناك كثير من الأساتذة الماهرين في الحوزة من لا يملك روح التجديد، بل يصب اهتمامه علی التعليق فقط والتركيز علی جماليات البحث لا علی جوهره، فيطرح الآراء الموجودة، ويعلق علی بعضها، ويختار الأقوی في نظره، ويشغل نفسه بتحليل عبارات من قبيل: فتأمل أو فافهم، ويجري في البحث علی أن في الإشكال إشكالين، وفي الإشكالين تأملاً، وفي التأمل توقف. هـ ـالمامه بمقتضيات عصره:كجواز نكاح أهل الشرك و قاعدة التزاحم التي يطرحها الفقهاء والأُصوليون، كقاعدة عقلية أو عقلائية صرفة، فيدخلها السيد الأُستاذ تحت قاعدة الاضطرار التي هي قاعدة شرعية أشارت لها النصوص، نحو (ما من شيء حرمه الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه)، فإن مؤدی قاعدة الاضطرار هو مؤدی قاعدة التزاحم بضميمة فهم الجعل التطبيقي. وأحياناً قد يقوم بتوسعة القاعدة كما في قاعدة (لا تُعاد) حيث خصها الفقهاء بالصلاة، لورود النص في ذلك. بينما سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) جعل صدر الرواية المتضمن لقوله لا تُعاد الصلاة إلا من خمسة مصداقاً لكبری أُخری تعم الصلاة وغيرها من الواجبات، وهذه الكبری موجودة في ذيل النص ولا تنقض السنة الفريضة. فالمناط هو تقديم الفريضة علی السنة في الصلاة وغيرها، ومن مصاديق هذا التقديم هو تقديم الوقت والقبلة... الخ علی غيرها من أجزاء الصلاة وشرائطها؛ لأن الوقت والقبلة من الفرائض لا من السنن. و ـ النظرة الاجتماعية للنص: إن من الفقهاء من هو حر في الفهم بمعنی أنه جامد علی حدود حروف النص من دون محاولة التصرف في سعة دلالات النص، وهناك من الفقهاء من يقرأ أجواء النص والظروف المحيطة به ليتعرف مع سائر الملابسات التي تؤثر علی دلالته. فمثلاً ماورد من أن رسول (الله صلی الله عليه وآله وسلم) حرم أكل لحم الحُمُر الأهلية يوم خيبر، فلو أخذنا بالفهم الحرفي لقلنا بالحرمة أو الكراهة لأكل لحم الحمر الأهلية، ولو اتبعنا الفهم الاجتماعي لرأينا أن النص ناظر لظرف حرج، وهو ظرف الحرب مع اليهود في خيبر، والحرب تحتاج لنقل السلاح والمؤنة، ولم تكن هناك وسائل نقل إلا الدواب ومنها الحمير، فالنهي في الواقع نهي إداري لمصلحة موضوعية اقتضتها الظروف آنذاك، ولا يُستفاد منه تشريع الحرمة ولا الكراهة. وسيدنا الأُستاذ هو من النمط الثاني من العلماء في التعامل مع النص. ز ـ توفير الخبرة بمواد الاستنباط: إن سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) يركز دائماً علی أن الفقيه لايكون فقيهاً بالمعنی الأتم حتی تتوفر لديه خبرة وافية بكلام العرب وخطبهم وأشعارهم ومجازاتهم، كي يكون قادراً علی تشخيص ظهور النص تشخيصاً موضوعياً لا ذاتياً، وأن يكون علی اطلاع تام بكتب اللغة وأحوال مؤلفيها ومناهج الكتابة فيها، فإن ذلك دخيل في الاعتماد علی قول اللغوي أو عدم الاعتماد عليه، وأن يكون علی احاطة بأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ورواتها بالتفصيل، فإن علم الرجال فن ضروري للمجتهد لتحصيل الوثوق الموضوعي التام بصلاحية المدرك. وله آراء خاصة يخالف بها المشهور مثلاً ما اشتهر من عدم الاعتماد بقدح ابن الغضائري، أما لكثرة قدحه أو لعدم ثبوت نسبة الكتاب إليه. فإن سيدنا الأُستاذ لايرتضي ذلك، بل يری ثبوت الكتاب، وإن ابن الغضائري هو المعتمد في مقام الجرح والتعديل أكثر من النجاشي والشيخ وأمثالهما، ويری الاعتماد علی منهج الطبقات في تعيين الراوي وتوثيقه، ومعرفة كون الحديث مُسنداً أو مُرسلاً علی ما قرره السيد البروجردي (قدس سره( ويری أيضاً ضرورة الإلمام بكتب الحديث، واختلاف النسخ، ومعرفة حال المؤلف، من حيث الضبط والتثبت ومنهج التأليف، وما يشاع في هذا المجال من كون الصدوق أضبط من الشيخ فلا يرتضيه، بل يری الشيخ ناقلاً أميناً لما وجده من الكتب الحاضرة عنده بقرائن يستند إليها. فهذه الجهات الخبرية قد لايعتمد عليها كثير من الفقهاء في مقام الاستنباط، بل يكتفي بعضهم بالظهور الشخصي من دون أن يجمع القرائن المختلفة لتحقيق الظهور الموضوعي، بل قد يعتمد علی كلام بعض اللغويين بدون التحقيق في المؤلف، ومنهج التأليف وقد لايكون لبعض آخر أي رصيد في علم الرجال والخبرة بكتب الحديث. إلا أن سيدنا الأُستاذ والسيد الشهيد الصدر (قدس سره) يختلفان في هذا المنهج، فيحاول كل منهما محاولة الإبداع والتجديد. أما في صياغة المطلب بصياغة جديدة تتناسب مع الحاجة للبحث، كما صنع سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) عندما دخل في بحث استعمال اللفظ في عدة معان، حيث بحثه الأُصوليون من زاوية الإمكان والاستحالة، كبحث عقلي فلسفي لاثمرة عملية تترتب عليه، وبحثه سيدنا الأُستاذ من حيث الوقوع وعدمه، لأنه أقوی دليل علی الإمكان، وبحثه كذلك من حيث الاستظهار وعدمه. وعندما دخل في بحث التعادل والتراجيح رأی أن سر البحث يكمن في علة اختلاف الأحاديث، فإذا بحثنا وحددنا أسباب اختلاف النصوص الشرعية انحلت المشكلة العويصة التي تعترض الفقيه والباحث والمستفيد من نصوص أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك يغنينا عن روايات الترجيح والتغيير، كما حملها صاحب الكفاية علی الاستحباب. وهذا البحث تناوله غيره كالسيد الصدر (قدس سره) ولكنه تناوله بشكل عقلي صرف، أما السيد الأُستاذ فإنه حشد فيه الشواهد التاريخية والحديثية، وخرج منه بقواعد مهمة لحل الاختلاف، وقام بتطبيقها في دروسه الفقهية أيضاً. هـ ـ المقارنة بين المدارس المختلفة: إن المعروف عن كثير من الأساتذة حصر البحث في مدرسة معينة أو اتجاه خاص، ولكن سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) يقارن بحثه بين فكر مدرسة مشهد وفكر مدرسة قم وفكر مدرسة النجف، فهو يطرح آراء الميرزا مهدي الإصفهاني (قدس سره) من علماء مشهد، وآراء السيد البروجردي (قدس سره) كتعبير عن فكر مدرسة قم، وآراء المحققين الثلاثة والسيد الخوئي (قدس سره) والشيخ حسين الحلي (قدس سره) كمثال لمدرسة النجف، وتعدد الاتجاهات هذه يوسع أمامنا زوايا البحث والرؤية الواضحة لواقع المطلب العلمي. وأما منهجه الفقهي فله فيه منهج خاص يتميز في تدريس الفقه وطرحه، ولهذا المنهج عدة ملامح وهي: أ ـ المقارنة بين فقه الشيعة وفقه غيرهم من المذاهب الإسلامية الأُخری، فإن الإطلاع علی الفكر الفقهي السني المعاصر لزمان النص كالاطلاع علی موطأ مالك وخراج أبي يوسف وأمثالهم، يوضح أمامنا مقاصد الأئمة (عليهم السلام) ونظرهم حين طرح النصوص. ب ـ الاستفادة من علم القانون الحديث في بعض المواضع الفقهية، كمراجعته للقانون العراقي والمصري والفرنسي عند بحثه في كتاب البيع والخيارات، والإحاطة بالفكر القانوني المعاصر تزود ألإنسان خبرة قانونية يستعين بها علی تحليل القواعد الفقهية وتوسعة مداركها وموارد تطبيقها. ج ـ التجديد في الأُطروحة: إن معظم علمائنا الأعلام يتلقون بعض القواعد الفقهية بنفس الصياغة التي طرحها السابقون، ولا يزيدون في البحث فيها إلا عن صلاحية المدرك لها أو عدمه، ووجود مدرك آخر وعدمه، أما سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) فإنه يحاول الاهتمام في بعض القواعد الفقهية بتغير الصياغة، مثلاً بالنسبة لقاعدة الإلزام التي يفهمها بعض الفقهاء من الزاوية المصلحية بمعنی أن للمسلم المؤمن الاستفادة في تحقيق بعض رغباته الشخصية من بعض القوانين للمذاهب الأُخری، وإن كان مذهبه لايقرها، بينما يطرحه سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) علی أساس الاحترام، ويسميها بقاعدة الاحترام، أي احترام آراء الآخرين وقوانينهم، وانطلاقه من حرية الرأي وهي علی سياق ـ لكل قوم نكاح ـ .
معالم شخصيته من يعاشر سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) ويتصل به يری فيه شخصية فذة تتمتع بالخصائص الروحية والمثالية التي حث عليها أهل البيت (عليهم السلام)، والتي تجعل منه ومن أمثاله من العلماء المخلصين مظهراً جلياً لكلمة عالم رباني. ومن أجل وضع النقاط علی الحروف؛ نطرح بعض المعالم الفاضلة التي رآها أحد تلامذته عند اتصاله به درساً ومعاشرة: أ ـ الإنصاف واحترام الرأي: إن سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) انطلاقاً من عشقه العلم والمعرفة ورغبة في الوصول للحقيقة، وتقديساً لحرية الرأي والكلمة البناءة، تجده كثير القراءة والتتبع للكتب والبحوث، ومعرفة الآراء حتی آراء زملائه وأقرانه أو آراء بعض المغمورين في خضم الحوزة العلمية، فتراه بعض الأحيان يشير في بحثه لرأي لطيف لأحد الأفاضل مع أنه ليس من أساتذته، فطرح هذه ومناقشتها مع أنها لم تصدر من أساطين أساتذته يمثل لنا صورة حية من صور الإنصاف واحترام آراء الآخرين. ب ـ الأدب في الحوار: إن بحوث النجف معروفة بالحوار الساخن بين الزملاء أو الأُستاذ وتلميذه، وذلك مما يصقل ثقافة الطالب وقوته العلمية، وأحياناً قد يكون الحوار جدلاً فارغاً لايوصل لهدف علمي، بل مضمونه إبراز العضلات في الجدل وقوة المعارضة، وذلك مما يستهلك وقت الطالب الطموح، ويبعده عن الجو الروحي للعلم والمذاكرة، ويتركه يحوم في حلقة عقيمة دون الوصول للهدف. أما بحث سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) فإنه بعيد كل البعد عن الجدل وأساليب الإسكات والتوهين، فهو في نقاشه آراء الآخرين أو مع أساتذته يستخدم الكلمات المؤدبة التي تحفظ مقام العلماء وعظمتهم حتی ولو كان الرأي المطروح واضح الضعف والاندفاع، وفي إجابته لاستفهامات الطالب يتحدث بانفتاح وبروح الإرشاد والتوجيه، ولو صرف التلميذ الحوار الهادف إلی الجدل الفارغ عن المحتوی فإن سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله( يحاول تكرار الجواب بصورة علمية، ومع إصرار الطالب فإن السيد الأُستاذ حينئذ يفضل السكوت علی الكلام. ج ـ خلق التربية: التدريس ليس وظيفة رسمية أو روتينية يمارسها الأُستاذ في مقابل مقدار من المال، فإن هذه النظرة تبعد المدرس عن تقويم التلميذ والعناية بتربيته والصعود بمستواه العلمي للتفوق والظهور، كما أن التدريس لايقتصر علی التربية العلمية من محاولة الترشيد التربوي لمسيرة الطالب، بل التدريس رسالة خطيرة تحتاج مزاولتها لروح الحب والإشفاق علی الطالب، وحثه نحو العلم وآدابه ، وإذا كان يحصل في الحوزة أو غيرها أحياناً رجال لايخلصون لمسؤولية التدريس والتعليم، فإن في الحوزات أساتذة مخلصين يرون التدريس رسالة سماوية، لابد من مزاولتها، بروح المحبة والعناية التامة بمسيرة التلميذ العلمية والعملية . وقد كان الإمام الحكيم (قدس سره) مضرب المثل في خلقه التربوي لتلامذته وطلابه، وكذلك كانت علاقة الإمام الخوئي (قدس سره) بتلامذته، فلقد رأيتُ هذا الخلق متجسداً في شخصية سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) فهو يحث دائماً بعد الدرس علی سؤاله ونقاشه فيقول: إسألوا ولو علی رقم الصفحة، لبحث معين أو اسم كتاب معين حتی تعتادوا علی حوار الأُستاذ والصلة العلمية به، وكان يدفعنا لمقارنة بحثه مع البحوث المطبوعة، والوقوف عند نقاط الضعف والقوة. وكان يؤكد دائماً علی احترام العلماء والالتزام بالأدب في نقاش أقوالهم، ويتحدث عن أساتذته وروحياتهم العالية، وأمثال ذلك من شواهد الخلق الرفيع. د ـ الورع: إن بحوث النجف ظاهرة جلية في كثير من العلماء والأعاظم، وهي ظاهرة البعد عن مواقع الضوضاء والفتن، وربما يعتبر هذا البعد عند بعضهم موقفاً سلبياً لأنه هروب من مواجهة الواقع وتسجيل الموقف الصريح المرضي للشرع المقدس، ولكنه عند التأمل يظهر بأنه موقف إيجابي وضروري أحياناً للمصلحة العامة ومواجهة الواقع، وتسجيل الموقف الشرعي يحتاج لظروف موضوعية وأرضية صالحة تتفاعل مع هذا الموقف . فلو وقعت في الساحة الإسلامية أو المجتمع الحوزوي إثارات وملابسات، بحيث تؤدي لطمس بعض المفاهيم الأساسية في الشريعة الإسلامية وجب علی العلماء بالدرجة الأُولی التصدي لإزالة الشبهات وإبراز الحقائق الناصعة، فإذا ظهرت البدع وجب علی العالم أن يظهر علمه فإن لم يفعل سلب منه نور الإيمان، كما جاء في الحديث، ولكن لو كان مسار الفتنة مساراً شخصياً وجواً مفعماً بالمزايدات والتعصبات العرقية والشخصية لمرجع معين أو خط معين، أو كانت الأجواء تعيش حرباً دعائية مؤججة بنار الحقد والحسد المتبادل، فإن علماء الحوزة منهم سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) يلتزمون دوماً الصمت والوقار والبعد عن هذه الضوضاء الصاخبة، كما حدث بعد وفاة السيد البروجردي (قدس سره) ووفاة السيد الحكيم (قدس سره)، وما يحدث غالباً من التنافس علی الألقاب والمناصب والاختلافات الجزئية. كما هو الحال في يومنا الحاضر، مضافاً لزهده المتمثل في لباسه المتواضع ومسكنه الصغير الذي لايملكه وأثاثه البسيط. هـ ـ الإنتاج الفكري: سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) ليس فقيهاً فقط، بل هو رجل مثقف مطلع علی الثقافات المعاصرة، ومتفتح علی الأفكار الحضارية المختلفة، ويمتلك الرؤية الثاقبة في المسيرة العالمية في المجال الاقتصادي والسياسي، وعنده نظرات ادارية جيدة وأفكار اجتماعية مواكبة للتطور الملحوظ، واستيعاب للأوضاع المعاصرة، بحيث تكون الفتوی، في نظره طريقاً صالحاً للخير في المجتمع المسلم.
مرجعيته نقل بعض أساتذة النجف الأشرف أنه بعد وفاة آية الله السيد نصر الله المستنبط (قدس سره) اقترح مجموعة من الفضلاء علی الإمام الخوئي (قدس سره) إعداد الأرضية لشخص يُشار إليه بالبنان، مؤهل للمحافظة علی المرجعية والحوزة العلمية في النجف الأشرف، فكان اختيار سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) لفضله العلمي، وصفاء سلوكه وخطه. ويذكر أنه كان في عيادة استاذه المرحوم آية الله العظمی السيد الخوئي (قدس سره) في 29 ربيع الثاني (1409 هـ.ق) لوكعة صحية المّت به فطلب منه ان يقيم صلاة الجماعة في مكانه في جامع الخضراء، فلم يوافق علی ذلك في البداية فألح عليه في الطلب وقال له: (لو كنت احكم كما كان يفعل ذلك المرحوم الحاج آقا حسين القمي (قدس سره) لحكمت عليكم بلزوم القبول) فاستمهله بضعة ايام ونهاية الامر استجاب لطلبه وأمّ المصلين من يوم الجمعة 5 جمادی الاولی (1409 هـ.ق) الی الجمعة الاخيرة من شهر ذي الحجة عام (1414 هـ.ق) حيث أغلق الجامع. وبعد وفاة الإمام الخوئي (قدس سره) كان من الستة المشيعين لجنازته ليلاً، وهو الذي صلّی علی جثمانه الطاهر، وقد تصدی بعدها للتقليد وشؤون المرجعية وزعامة الحوزة العلمية، بإرسال الإجازات، وتوزيع الحقوق، والتدريس علی منبر الإمام الخوئي (قدس سره) في مسجد الخضراء . وبدأ ينتشر تقليده وبشكل سريع في العراق والخليج ومناطق أُخری، كالهند وأفريقيا وغيرها، وخصوصاً بين الأفاضل في الحوزات العلمية، وبين الطبقات المثقفة والشابة، لما يعرف عنه من أفكار حضارية متطورة، وهو (دام ظله) من القلة المعدودين من أعاظم الفقهاء الذين تدور حولهم الأعلمية بشهادة غير واحد من أهل الخبرة وأساتيذ الحوزات العلمية في النجف الأشرف وقم المقدسة، فأدام الله ظله الوارف علی رؤوس الأنام وجعله لنا ذخراً وملاذاً. وكما يذكر أنه تشرف بزيارة بيت الله الحرام لأداء الحج مرة في عام (1386 هـ.ق) ومرتين متتاليتين في عامي (1405 هـ) و (1406 هـ.ق( مؤلفاته منذ كان عمره الشريف 34 سنة ، بدأ يدرس البحث الخارج فقهاً وأُصولاً ورجالاً، ويقدم نتاجه وعطاءه الوافر، وقد باحث المكاسب والطهارة والصلاة والقضاء والخمس، وبعض القواعد الفقهية كالربا وقاعدة التقية وقاعدة الإلزام. ودرس الأُصول ثلاث دورات وبعض هذه البحوث جاهز للطبع كبحوثه في الأُصول العلمية والتعادل والتراجيح، مع بعض المباحث الفقهية وبعض أبواب الصلاة وقاعدة التقية والإلزام. وقد أخرج بحثه عدة من الفضلاء البارزين، وبعضهم علی مستوی تدريس البحث الخارج، كالعلامة الشيخ مهدي مرواريد والعلامة السيد مرتضی المهري والعلامة السيد حبيب حسينيان، والعلامة السيد مرتضی الإصفهاني، والعلامة السيد أحمد المددي، والعلامة الشيخ باقر الإيرواني، وغيرهم ممن هم من أفاضل أساتذة الحوزات العلمية. وضمن انشغال سماحته في الدرس والبحث خلال هذه المدة كان (دام ظله) مهتماً بتأليف كتب مهمة وجملة من الرسائل لرفد المكتبة العلمية الدينية بمجموعة مؤلفات قيمة، مضافاً إلی ماكتبه من تقريرات بحوث أساتذته فقهاً وأُصولاً. مسيرته الجهادية كان النظام البعثي يسعی بكل وسيلة للقضاء علی الحوزة العلمية في النجف الأشرف منذ السنين الأولی من تسلمه للسلطة في العراق ، وقد قام بعمليات تسفير واسعة للعلماء والفضلاء وسائر الطلاب الاجانب ، ولاقی سيدنا الاستاذ (دام ظله) عناءاً بالغاً من جراء ذلك وكاد ان يسفّر عدة مرات وتم تسفير مجاميع من تلامذته وطلاب مجلس درسه في فترات متقاربة ، ثم كانت الظروف القاسية جداً ايام الحرب العراقية الايرانية ، ولكن علی الرغم من ذلك فقد اصرّ دام ظله علی البقاء في النجف الأشرف وواصل التدريس في حوزته العلمية المقدسة ايماناً منه بلزوم استمرار المسار الحوزوي المستقل عن الحكومات تفادياً للسلبيات التي تنجم عن تغيير هذا المسار . وفي عام 1411هـ عندما قضی النظام علی الانتفاضة الشعبانية اعتقل سيدنا الاستاذ (دام ظله) ومعه مجموعة من العلماء كالشهيد الشيخ مرتضی البروجردي والشهيد الميرزا علي الغروي وقد تعرضوا للضرب والاستجواب القاسي في فندق السلام وفي معسكر الرزازة وفي معتقل الرضوانية إلی ان فرّج الله عنهم ببركة اهل البيت (ع) . وفي عام 1413هـ عندما توفي الامام السيد الخوئي رضوان الله عليه وتصدی سيدنا الاستاذ (دام ظله) للمرجعية حاولت سلطات النظام السابق تغيير مسار المرجعية الدينية في النجف الأشرف وبذلت ما في وسعها في الحطّ من موقع السيد الاستاذ (دام ظله) ومكانته المتميزة بين المراجع وسعت إلی تفرق المؤمنين عنه بأساليب متعددة منها اغلاق جامع الخضراء في أواخر ذي الحجة عام 1414هـ كما تقدم . وعندما وجد النظام ان محاولاته قد باءت جميعاً بالفشل خطط لاغتيال سيدنا الاستاذ وتصفيته وقد كشفت وثائق جهاز المخابرات عن عدد من هذه المخططات ولكن مكروا ومكر الله والله خير الماكرين . وهكذا بقي سيدنا الاستاذ (دام ظله) رهين داره منذ أواخر عام 1418هـ حتی انه لم يتشرّف بزيارة جده الامام أمير المؤمنين (ع) طوال هذه الفترة . اجازاته جاء في اجازة الاجتهاد التي منحها إياه آية الله العظمی السيد الخوئي (قدس سره( « النسخة المطبوعة » (( الحمد لله رفع منازل العلماء حتی جعلهم بمنزلة الانبياء وفضٌل مدادهم علی دماء الشهداء وافضل صلواته وتحياته علی من اصطفاه من الاولين والاخرين وبعث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين . وبعد فان شرف العلم لايخفی وفضله لايحصی قد ورثة اهله من الانبياء، ونالوا به نيابة خاتم الاوصياء (ص) ما دامت الارض والسماء وممن سلك في طلبه مسلك صالحي السلف هو جناب العلم العامل ، والفاظل الکامل، سند الفقهاء العظام، حجة الاسلام السيد علي السيستاني ادام الله ايام افاضته وافضاله وکثر في العلماء العاملين امثاله فانه قد بذل في هذا السبيل شطر من عمره الشريف معتکفاً بجوار وصي خاتم الانبياء في النجف الاشرف علی مشرفها آلاف التحية والثناء، وقد حضر أبحاثي الفقهية والاصولية حضورتفهم وتحقيق وتعمق وتدقيق، حتی ادرك -والحمدالله -مناه، ونال مبتغاه وفاز بالمراد، وحاز ملکة الاجتهاد، فله العمل بما يستنبطه من الاحکام، فليحمد الله سبحانه علی ما اولاه، وليشکره علی ماحباه، وقد اجزته ان يروي عنٌي جميع ما صحت لي روايته من الکتب الاربعة التي عليها المدار (الکافي والفقيه والتهذيب والاستبصار) والجوامع الاخيرة : الوسائل ومستدرکه والوافي والبحار وغيرها من مصنفات اصحابنا وما رووه عن غيرنا بحق اجازتي من مشايخي العظام باسانيدهم المنتهية الی اهل البيت (عليهم افضل الصلاة والسلام ) واوصيه دامت تاييداته بملازمة التقوی وسلوك سبيل الاحتياط فانه ليس بناکب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط وان لا ينساني من صالح الدعوات کما اني لااُنساه ان شاء الله تعالی والسلام عليه ورحمة الله وبرکاته

شهيد الجمعة

ولد السيد الشهيد محمد محمّد صادق الصدر في (17 ربيع الاول عام 1362 هـ الموافق 23 / 3 / 1943م في مدينة النجف الاشرف).

اما نسبه فيرجع «الى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام في سلسلة نسبية قليلة النظير في صحتها ووضوحها وتواترها، فهو محمد ابن السيد محمد صادق ابن السيد محمد مهدي ابن السيد اسماعيل (الذي سميت اسرة الصدر بأسمه) ابن السيد صدر الدين محمد ابن السيد صالح بن محمد بن ابراهيم شرف الدين (جد أسرة آل شرف الدين) ابن زين العابدين ابن السيد نور الدين علي ابن السيد علي نور الدين بن الحسين بن محمد بن الحسين ابن علي بن محمد بن تاج الدين أبي الحسن بن محمد شمس الدين بن عبد الله بن جلال الدين بن احمد بن حمزة الاصغر بن سعد الله بن حمزة الاكبر بن أبي السعادات محمد بن ابي محمد عبد الله (نقيب الطالبيين في بغداد) بن أبي الحرث محمد بن أبي الحسن علي بن عبد الله بن أبي طاهر بن ابي الحسن محمد المحدّث بن أبي الطيب طاهر بن الحسين القطعي بن موسى أبي سبحة بن ابراهيم المرتضى ابن الإمام أبي ابراهيم موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام».

نشأ سماحته في اسرة علمية معروفة بالتقوى والعلم والفضل، ضمّت مجموعة من فطاحل العلماء منهم جده لامه آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين (قدس سره) ومنهم والده الحجة السيد محمد صادق الصدر (قدس سره) الذي كان آية في التقوى والتواضع والزهد والورع، واذا كان احد يوصف بانه قليل النظير في ذلك فان الوصف ينطبق تماماً على المرحوم السيد محمد صادق الصدر (قدس سره).


 
ذكر احد المقربين من السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه) ان المرحوم الحجة السيد محمد صادق الصدر شكا له ولده السيد محمداً الصدر لا من عقوق ولا جفاء ولا قصور او تقصير بل من كثرة عبادته وسهره في الدعاء والبكاء حتى اوشك على اتلاف نفسه فما كان من السيد محمد باقر الصدر إلاّ ان بعث اليه وطلب منه الاعتدال في العبادة فاستجاب له لانه كان مطيعاً لاستاذه محباً له لا يعصيه ولا يخالفه.

ومن سماته وخصاله: خُلقه الرفيع المبرّأ من كل رياء او تصنع ويكفيك ان تعايشه دقائق لتعرف ذلك فيه واضحاً جلياً يغنيك العيان عن البرهان.

تخرج السيد محمد محمد صادق الصدر من «كلية الفقه في النجف الاشرف في دورتها الاولى عام 1964».

وكان من المتفوقين في دروسه الحوزوية كما تؤكد روايات زملائه من تلاميذ ابن عمه الشهيد آية الله محمد باقر الصدر الذي تزوج ثلاثة من أولاد الصدر الثاني وهم مصطفى ومقتدى ومؤمل من بناته.

وبغض النظر عن مراحل دراسته التي تخطاها بتفوق وجدارة يكفي ان نشير الى أن سماحته يعتبر من ابرز طلاب السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه) ومقرري ابحاثه الفقهية والاصولية.

ومن المعروف ان مدرسة السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه) تعتبر ارقى مدرسة علمية في المعرفة الفقهية والاصولية عمقاً وشمولا ودقة وابداعاً. ويعتبر سماحته علماً من اعلام تلك المدرسة المتفوقة والمتميزة.

وقد درس (قدس سره) جملة من العلوم والمعارف الدينية عند مجموعة من الاساتذة نذكر اهمهم على نحو الاجمال:

 
1 - الفلسفة الالهية، درسها عند المرحوم الحجة محمد رضا المظفر صاحب كتاب اصول الفقه والمنطق.

2 - الاصول والفقه المقارن، على يد الحجة السيد محمد تقي الحكيم.

3 - الكفاية درسها عن السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه).

4 - المكاسب درسها عند استاذين الاول محمد باقر الصدر والثاني الملا صدر البادكوبي.

5 - ابحاث الخارج وهي اعلى مستوى دراسي حوزوي حضر عند عدد من الاساتذة الفطاحل وهم:

الإمام السيد محسن الحكيم

آية الله السيد محمد باقر الصدر

الإمام السيد الخميني

آية الله السيد الخوئي

رضي الله عنهم اجمعين، فنال على ايدي هؤلاء مرتبة الاجتهاد والفتوى التي اهلته للمرجعية العليا.
عطاء فكري

تأثر الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) بافكار اساتذته من العلماء والمراجع اذ أن مجرد معرفة عدد من اسماء هؤلاء الاساتذة ستساعد في توضيح الملامح الفكرية لشخصيته، فهو درس لدى الإمام الخميني (قدس سره) والشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر وآية الله السيد الخوئي، وآخرين، إلاّ انه اذا تجاوزنا المشترك الفقهي لهؤلاء الثلاثة، يمكن القول انه استلهم الفكر الثوري من تجربة ودروس الإمام الخميني (قده)، واستلهم همّ المشروع التغييري في العراق من تجربة ودروس ونظريات آية الله السيد محمد باقر الصدر الذي يعد أكبر مفكر اسلامي في العصر الحديث، ولذا يمكن القول، ان السيد محمد محمد صادق الصدر قد وظف بالاضافة الى قدراته الفقهية التقليدية تجربتين في تجربته، التجربة الخمينية، والتجربة الصدرية الاولى، فهو توجه بكل جهوده الى الجانب الاصلاحي العملي الذي يحقق حضوراً تغييرياً في وسط الامة، وانجز أول تجربة عملية تغييرية يقودها فقيه في بلد مثل العراق بحركة إنتاج فقهي، عملي ايضاً، أي بمعنى فقه يواكب حركة الحياة، بتطوراتها، ومستجداتها، وتحدياتها، وآفاقها المستقبلية، اذ انه أراد أن يربط الفقه بالواقع وأن يبعث فيه روح التجديد، وبهذا الاستنتاج يمكن القول إن السيد محمد محمد صادق الصدر كان فقيهاً عملياً واقعياً معاصراً ثورياً، قد لا يتطابق في ثوريته مع الإمام الخميني، وقد لا يُصنف في انتاجه الفكري مع الفكر الصدري الاول، إلاّ انه ضمن الظروف التي عاشها استطاع أن يقترب من الاثنين وأن يوظّف منهجهما المرجعي وأن يتأثر بتجربتهما، وأن يصوغ ملامح تجربته الخاصة. ومرةً اخرى لابد من التأكيد بان قيمة هذه التجربة تنبع من كونها عراقية، بكل استثناءات العراق المعروفة، المتعلقة بالسلطة والجو السياسي، والامة، وموقع الحوزة.

 
ومهما يكن من أمر فان الصدر الثاني ترك وراءه عدداً مهماً من المؤلفات التي قد تساعد في فهم ملامح مشروعه العام.

مؤلفاته:

1 - نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان.

2 - فلسفة الحج في الإسلام.

3 - اشعة من عقائد الإسلام.

4 - القانون الإسلامي وجوده، صعوباته، منهجه.

5 - موسوعة الإمام المهدي، صدر منها:

أ - تاريخ الغيبة الصغرى.

ب - تاريخ الغيبة الكبرى.

ج - تاريخ ما بعد الظهور.

د - اليوم الموعود بين الفكر المادي والديني.

6 - ما وراء الفقه (موسوعة فقهية)، وهو عشرة أجزاء.

7 - فقه الأخلاق.

8 - فقه الفضاء.

9 - فقه الموضوعات الحديثة.

10 - حديث حول الكذب.

11 - بحث حول الرجعة.

12 - كلمة في البداء.

13 - الصراط القويم.

14 - منهج الصالحين (وهي رسالة عملية موسعة اشتملت على المسائل المستحدثة).

15 - مناسك الحج.

16 - كتاب الصلاة.

17 - كتاب الصوم.

18 - أضواء على ثورة الإمام الحسين (عليه السلام).

19 - منّة المنان في الدفاع عن القرآن (قد يصل إلى خمسين مجلداً).

20 - منهج الاصول.

21 - التنجيم والسحر.

22 - مسائل في حرمة الغناء.

 
مخطوطاته:

رغم ما امتاز به السيد الصدر (قدس سره) من كتبه المطبوعة إلاّ انه لا تزال هناك جملة من كتبه المخطوطة تنتظر الطبع، منها:

1 - الجزء السادس من موسوعة الإمام المهدي بعنوان هل إن المهدي طويل العمر.

2 - البحث الخارجي الاستدلالي الفقهي حوالي 8 أجزاء.

3 - دورة في علم الاصول على يد المحقق السيد الخوئي.

4 - بين يدي القرآن.

5 - دورة في علم الاصول على يد السيد أبي جعفر.

6 - مباحث في كتاب الطهارة الاستدلالي.

7 - المعجزة في المفهوم الإسلامي.

8 - مبحث في المكاسب.

9 - مجموعة أشعار الحياة (ديوان شعر).

10 - اللمعة في أحكام صلاة الجمعة.

11 - الكتاب الحبيب إلى مختصر مغني اللبيب.

12 - بحث حول الشيطان.

13 - تعليقه على رسالة السيد الخوئي.

14 - تعليقة على كتاب المهدي لصدر الدين الصدر.

15 - سلسلة خطب الجمعة.

16 - فقه الكيمياء.

17 - وصيته.

18 - أجزاء باقي كتاب منهج الأصول.

19 - شرح كتاب الكفاية.

ومن خلال قائمة المؤلفات هذه تتضح بعض اهتمامات الشهيد الصدر الثاني بالفقه المعاصر وان كل مؤلف من هذه المؤلفات شكل قضية من القضايا وحاجة من الحاجات الملحة للكتابة فيها.

 
 

وقائع ما قبل الاغتيال:


 
ان الصدر الثاني بالتأكيد تحول إلى رمز يقود ظاهرة اسلامية مليونية، إلاّ ان رموز العراق لا تبرز على صفحات الإعلام العربي إلاّ بعد التصفية والقتل على يد نظام صدام حسين الذي مهد لاغتيال الصدر الثاني عبر تحركات واحتياطات كبيرة، كشفت عنها صحيفة (القبس) الكويتية نقلا عن مصادر عراقية حيث في ضوء تلك التوجيهات «وضعت كافة قوات الحرس الجمهوري في حالة استعداد قصوى تحت غطاء مشروع تدريبي اعطي الاسم الرمزي «الفارس الذهبي» يستخدم فيه العتاد الحقيقي وصممت الفرضيات طبقاً لحصول تهديدات جوية وتدخل قوات محمولة جواً، تستهدف احتلال اهداف حساسة داخل العراق لاثارة الاضطراب.

كما تضمّن المشروع الممارسة على تنفيذ التنقلات الاستراتيجية تحت ظل التهديد الجوي وفي ظروف استيلاء مفارز من القوات الخاصة المعادية للسيطرة على مفارق الطرق المهمة والنقاط الحرجة كالجسور والمناطق التي تتعذر فيها الحركة خارج الطرق.

كما تم نقل بعض ألوية الحرس الجمهوري من المنطقة الشمالية إلى منطقة الفرات الاوسط.

وكان لقرار فصل محافظة المثنى عن قيادة منطقة الفرات الأوسط بقيادة (محمد حمزة الزبيدي) والحاقها بمنطقة العمليات الجنوبية بقيادة (علي حسن المجيد) صلة بالتدبير لعملية الاغتيال وذلك لتخفيف العبء عن قيادة الفرات الأوسط التي تقود محافظات بابل وواسط والقادسية والنجف وكربلاء والمثنى.

وفي ليلة تنفيذ عملية الاغتيال الخميس الجمعة كانت قوات فرقة حمورابي حرس جمهوري في منطقة الصويرة (قرب واسط) وفرقة نبوخذ نصر حرس جمهوري في كربلاء، فضلا عن الألوية التي نقلت من المنطقة الشمالية في حالة انتشار قتالي الامر الذي مهّد للسيطرة المبكرة على الوضع كأحد أساليب الردع المسبق.

وبالاضافة إلى هذا الإستباق الامني الاحتياطي الذي جاء قبل تنفيذ الاغتيال، فإن هنالك انواعاً من التصعيد في المواجهة بين الصدر الثاني والسلطة، كانت كلها تُنذر بوقوع الجريمة، ففي شهر رمضان الذي سبق الاغتيال حاولت السلطة ان تتدخل في مسار صلاة الجمعة في الكثير من المدن العراقية، والتي يقيمها وكلاء الصدر في هذه المدن فهي:

* حاولت ان تبتز هؤلاء الوكلاء من خلال الطلب المتكرر منهم بالدعاء لحاكم بغداد ولم يكن هذا الطلب جديداً، بل ان السلطة ساومت به قبل أكثر من سنة، إلاّ انها لم تصل إلى نتيجة، وقررت ان تستخدم لهذا الطلب ورقة ضغط من أجل تصعيد المواجهة.

* وعندما فشلت في انتزاع الدعاء لصدام حسين بما يسيء إلى هذه الظاهرة ويحاول ان يصورها على انها ظاهرة السلطة، لكن دون جدوى، بعد هذا الفشل راحت تلجأ إلى أسلوبها التهديدي المعروف من اجل ايقاف هذه الصلاة التي اصرّ الشهيد الصدر الثاني على اقامتها واوصى بذلك حتى بعد استشهاده، بعدما اصر على رفض الدعاء لصدام بهذه الصلاة مهما كان الثمن.

* وفي سياق هذا التهديد حاولت السلطة ان تفرض ائمة جمعة تابعين لوزارة الاوقاف التي تديرها، إلاّ ان كل محاولاتها في هذا الاطار فشلت هي الأخرى لان الناس رفضوا الصلاة وراء عملاء السلطة هؤلاء.


 
* وتطورت المواجهة بعد ذلك إلى صدامات سبقت اغتيال الشهيد الصدر الثاني في عدد من مدن العراق، منها الناصرية، سقط فيها عدد من الشهداء، واعتقلت السلطة عدداً من وكلاء السيد الشهيد الصدر الثاني.

* وواصلت السلطة تحرشاتها عندما قامت «بعملية انزال على مسجد الكوفة الذي له اثر تاريخي اجتماعي كبير في نفوس عامّة المسلمين وبذريعة المناورة العسكرية قامت قوات الامن ورجالات السلطة والجيش الشعبي بفتح الابواب الرئيسية بالقوة، وكانت هنالك قوة عسكرية متحصنة داخل المسجد، واعتبرت العملية استفزاراً لمشاعر المصلين والمؤمنين بشكل عام، وتأتي انتهاكاً لحرمة أماكن العبادة، كما اعتاد النظام على هذه الممارسات لنشر الإرهاب والخوف».

* ولم توقف كل هذه الإجراءات الشهيد محمّد محمد صادق الصدر عن الإستمرار في المواجهة، والمطالبة العلنية من على منبر صلاة الجمعة باطلاق سراح وكلائه المعتقلين من خلال هتافات امر جمهور المصلين بترديدها.

ويذكر ان السيد الشهيد محمد محمّد صادق الصدر عمل على ترسيخ الوعي الإسلامي لدى جمهور المصلين من خلال أسلوب الشعار، وتحويل المطالب والمقولات المهمة إلى شعارات يرددها ويأمر الجمهور بترديدها في سياق خاطبه الذي اتسم بالوضوح، ولعل هذه الظاهرة هي الأولى من نوعها في العراق حيث لم يعتد الشارع العراقي على ان يردد الفقيه الشعار بنفسه مع الجمهور، وبالتأكيد ان الشعار له فلسفته الخاصة في صناعة الوعي.

* وفي ظل رفض الصدر الثاني ووكلائه المتكرّر لطلبات السلطة في الدعاء لحاكم بغداد، وفي سياق تصاعد وتيرة المواجهة، ضاعفت السلطة من طلباتها «واقدم (حمزة الزبيدي) ونيابة عن صدام على مطالبة الإمام الصدر قبل يومين من عملية الإغتيال بفتوى لـ (تحرير الكعبة) واخرى لتأييد دعوة صدام الشعوب العربية للاطاحة بحكّامها، وثالثة تتعلق باغتيال الشهيدين البروجردي والغروي، ورابعة لاعلان الجهاد بما يتوافق وسياسات صدام».

* بالإضافة الى رفض الدعاء وطلبات «إصدار الفتاوى» تلك فان الصراع مع السلطة على طول خط ما قبل وقوع جريمة الإغتيال استبطن رفضاً صدرياً لأمور عديدة تحقق رغبة السلطة «إذ لم يكن اغتيال الصدر مفاجئاً، وسبقته سلسلة من الاحداث والمواجهات الساخنة منذ شهر عاشوراء وشهر شعبان وشهر رمضان الماضي، حيث طلبت السلطات منه منع المسيرة السنوية التي يقوم بها عشرات الآلاف من المشاة من مختلف مدن العراق متوجهين إلى كربلاء، لكنه أصدر أمراً إلى الناس بالتوجه إلى المدينة، وذلك خرقاً للمنع الذي كان النظام العراقي أصدره بالشكل الذي لا يضر بالدولة ولا يمت إلى سياستها وكيانها بأية صلة».

* بعد ذلك اتصل صدام حسين بالصدر تليفونياً وطلب منه منع التحرك فرفض فصدر امر بوضعه في الإقامة الجبرية واعتقل وكلاؤه في المدن العراقية، حتى خرق الصدر امر الإقامة الإجبارية مع ولديه مصطفى ومؤمل.

وواقع الحال ان المواجهة في أشكالها السرية والعلنية بدأت بشكل حاد بين الشهيد الصدر الثاني والسلطة مُنذ الأسابيع الاولى لاقامة صلاة الجمعة وحتى اغتياله. وقد برزت مؤشرات واضحة قبل ان يشرع المرجع الصدر بصلاة الجمعة، «فقرر النظام العمل على تحجيم مرجعية الصدر الشهيد بكل الوسائل فسحب منه حق

التأييد لطلبة الحوزة العلمية لغير العراقيين في النجف الأشرف للحصول على الإقامـة، كما حاول الإيحاء للعامة ان الشهيـد محمد محمّد الصـدر هو مرجع السلطة للتقليل من شأنه، لان اعلان مثل هذا الامـر يثير حساسية الناس ونفورهم، ومارس ضغوطاً شتى على وكلائـه وزوّاره، وقام بنشر عيونه وجلاوزته حول منزلـه ومجالس دروسـه، ولما لم تنفع مثل هذه الأساليب حاول التقرب اليـه وتقديم كل ما يطلبه مقابل مدح الطاغيـة أو النظام، أو على الاقل تحاشي كل ما من شأنه ان يفهم من قبل الناس بأنـه حديث ضـد السلطة، ولما فشل في ذلك ايضاً اتخذ قراره قبل اكثر من ثلاثة اشهر باغتياله، حيث اصـدر حزب السلطة تعميماً إلى اعضائه يتضمن اتخاذ اقصى درجات الحيطة والحذر والاستعداد للمرحلة القادمة التي ربما ستشهد حالة اضطرابات ومواجهات حسب ما جاء في التعميم بدعوى ان هنالك معلومات تفيد ان مجموعة من المخربين ستقوم باغتيال المرجع محمد الصدر (رض) وستدّعي ان النظام من فعل هذا الأمر!! ويومها بدأت استعدادات النظام.

الجريمة:

كان من «عادة السيد(رحمه الله) ان يقيم مجلس التعزية في (البرانية) يوم الجمعة، ليلة السبت وينتهي المجلس في الساعـة 5،8 ليلا، وبعدها يخرج سماحته إلى بيته مع ولديه، حيث يوصلانه إلى هناك ويعودان إلى داريهما. وفي الليلة التي استشهد فيها خرج السيد على عادته مع ولديه بلا حماية ولا حاشيـة نظراً لان المسافـة إلى البيت كانت قريبـة، وفيما كانوا يقطعون الطريق إلى بداية منطقة (الحنانة) في احدى ضواحي النجف القريبة وعند الساحة المعـروفة بـ (ساحة ثورة العشرين) جاءت سيارة اميريكة الصنع (اولدزموبيل) ونزل منها مجموعـة من عناصر السلطة وبأيديهم اسلحة رشاشة وفتحوا النار على سيارة السيد، فقتل اولاده على الفور، وبقي سماحته على قيد الحياة لكنه نقل إلى المستشفى مصاباً برأسه ورجليه، وبقي قرابة الساعة بالمستشفى ثمّ قضى نحبه شهيداً. وبعد استشهاده حضر جمع من مسؤولي السلطة إلى المستشفى، وذهب آخرون إلى بيته ولم يسمحوا بتجمهر المعزّين أو الراغبين بتشييع جنازته، ولذا قام ولدا السيد الشهيد بتشييعه ليلا ومعهم ثمانية رجال وبعض النساء، حيث تم دفنه في المقبرة الجديدة في وادي (الغري)».

 

شهيد المحراب

 أمة في رجل
ليس من العدل والإنصاف بمكان ان ندعي ان ما سنكتبه عن الشهيد المرجع الديني اية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم(قدس) سيكون وافيا ومحيطا بكل جوانب حياته ونشاطاته، وانما هي رؤوس اقلام ليس إلا، ومجرد إشارات فقط، لان الكتابة عنه(قدس) أمر لا يخلو من صعوبة ومشقة، فالرجل قد امتد نشاطه لاكثر من نصف قرن، كانت سنينه معبأة ومثخنة بالاحداث والتطوارات، حيث امتازت هذه السنين بصعود الخط البياني لقوة المرجعية وتعاظم نشاطها، وما تبعه من متغيرات على كافة الاصعدة والمستويات، وكان(قدس) مرافقا لهذا الصعود وداخلا في عمقه، حيث انه كان أحد العقول المهمة في الجهاز المرجعي للامام الحكيم، واحد اهم مستشاري الامام الصدر ومنسقا فعالا بينه وبين الامام الخوئي واحد الداعمين بقوة لمرجعية الامام الخميني. ومن جهة اخرى كانت ولادته في بدايات الحرب الكونية الثانية وما نتج عنها من تجاذبات بين القطبين القت بظلالها على الشرق الأوسط والعالم الاسلامي فيما بعد، وما نتج عنها من انعطافات مهمة في حركة الشعوب العربية والاسلامية على مستوى الوعي المرجعي والديني والسياسي والعلمي والثقافي والاجتماعي. ومن هنا تصبح الاحاطة بسيرة شهيدنا بحاجة الى بحث واسع، ومراجعة كثيفة للاحداث، ودراسة معمقة للتطورات، كي يمكن الخروج بنتائج نيرّة المعالم وناصعة الوضوح. وبهذه المناسبة تدعو(مؤسسة تراث الشهيد الحكيم / قسم الدراسات) كل الاخوة المؤرخين والمثقفين ورجال الدين الى الاهتمام بدراسة شخصية شهيد المحراب، والوقوف عندها ملياً، فهو(قدس) نذر نفسه بصورة مطلقة للاسلام، وافنى عمره الشريف في خدمة المسلمين، واضافة الى هذا فحياته تمثل مقطعا مهما من تاريخ العراق الحديث والحركة المرجعية والاسلامية والعلمية والثقافية، و(مؤسسة تراث الشهيد الحكيم / قسم الدراسات) تتعهد بتقديم كل الوثائق المطلوبة التي من شأنها إعانة الباحث على اكمال بحثه وتذليل العقبات من امامه.


إطلالته على الدنيا
في الخامس والعشرين من جمادى الأولى عام 1358 هـ – 1939م، وفي مدينة النجف الأشرف مركز المرجعية الدينية شاء الله ان يطلَّ على الدنيا شهيدنا المعظم آية الله العظمى المجاهد السيد محمد باقر الحكيم ليكون الولد الخامس(1) والابن البار لمرجع الطائفة الإمام السيد محسن الطباطبائي الحكيم(2)، وينتمي(شهيد المحراب) إلى أسرة امتازت بحبها للعلم والعمل واتسمّت بالإخلاص والتقوى فبرز الكثير من رجالها في ميادين العلم يغذون المعارف بنتاجاتهم ويسيرون على الصراط المستقيم بورعهم، منهم جد الشهيد السيد مهدي الحكيم(3) الذي نبغ في العلم حتى أصبح أحد المجتهدين اللذين يشار لهم بالبنان وتورّع عن المحارم فكانت كلمة المقدّس رفيقة لاسمه، وينتهي نسب(آل الحكيم) إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب ¦ عن طريق ولده الحسن المثنى.


بين أحضان الحنان والعلم
في أحضان الأب يتلقى الطفل والفتى الحب والحنان، والتوجيه نحو التحصيل وطلب العلم، غير أن(شهيد المحراب) فاق الأقران ونهل من العلم والأخلاق بقدر ما تشربّت نفسه الزكية بمعاني الفضيلة والرجولة،(فقد كان الوالد ـ الإمام الحكيم ـ يغرس في نفسه ـ شهيد المحراب ـ واخوته روح التقوى الحقيقية من خلال التأكيد على عناصر الصدق والأمانة والورع عن محارم الله وتحمل المسؤولية تجاه الأمة وقضاياها المصيرية، وتجاه الحوزة العلمية وقضايا الناس وحاجاتهم، حيث كان يؤكد على نقاط رئيسية:

1ـ الإخلاص لله تعالى في العمل وتوخي الحذر من نزوات الأنفس ولمزات الشياطين.



2ـ المصلحة الإسلامية وما يهدي إليه العقل والحكمة، فكان يقول: إذا عرضت عليك قضية ورأى عقلك فيها المصلحة والفائدة فاعرضها على دينك فإذا رضي بها فافعلها، وإلا فاتركها.

3ـ رضا الناس وموقفهم من العمل ومراعاة مشاعرهم وعواطفهم.

4ـ التأكيد على طلب العلوم الدينية والقيام بالوظائف الشرعية في مجال التدريس والتعليم والتبليغ الإسلامي.

5ـ بناء المكونات الأساسية للشخصية التي كان يراها في حرية التفكير والاستقلال في الإرادة والتوكل على الله والاعتماد على النفس والاستعداد للتضحية والفداء في أداء الواجب او خدمة الناس والمسلمين(1).

في ظل هذه الأجواء المتشبعة بالروح الإيمانية والثقة العالية بالنفس نشأ السيد الشهيد(قدس) وقد كان لحياة التقشف دور في صقل شخصيته(وقد يكون الفقر في ذلك الزمان هو الطابع العام لطلاب العلوم الدينية، وقد يتفاوتون فيما بينهم في هذا الجانب، ولكن الظروف الاقتصادية الصعبة العامة التي عاشها الإمام الحكيم في بداية حياته كانت أشد ضغطا عليه وعلى أسرته من غيره(2))، أضف إلى ذلك أن أجواء النجف الأشرف العامرة بمجالس العلم والعلماء والأدب والأدباء كانت المرتع الخصب لنمو الذهنية العلمية والأدبية وهم يبحثون ويناقشون الفقه وأصوله والعقيدة والكلام.
 
 
 لمسيرة العلمية
 كتاتيب النجف الأشرف كانت مدرسة الأجيال التي يتلقى فيها الفتيان علومهم الأولية والبسيطة وسيدنا الشهيد سار على نهج أبناء مدينته فتلقى القراءة والكتابة فيها، ثم دخل مرحلة الدراسة الابتدائية في مدرسة منتدى النشر وأنهى الصف الرابع وتركها متوجها نحو الدراسات الحوزوية في سن الثانية عشر من عمره فكان أول أساتذته المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد سعيد بن السيد محمد علي الحكيم حيث درس عنده قطر الندى وألفية بن عقيل وجزءاً من مغني اللبيب، وحاشية الملا عبد الله وجزءاً من منطق المظفر، والمختصر وجزء من المطول، ومنهاج الصالحين والمعالم. وأنهى دراسة اللمعة الدمشقية سنة 1375 هـ – 1956م ودرس كتاب الرسائل على يد أستاذه آية الله السيد محمد حسين بن السيد سعيد الحكيم(قدس)، وحضر درس الكفاية الجزء الأول عند آية الله العظمى السيد يوسف الحكيم(قدس) وواصل دراسة الجزء الثاني من الكفاية وكذلك جزءاً من المكاسب عند الشهيد الصدر(قدس). ثم حضر درس(خارج الفقه والأصول) لدى كبار العلماء والمجتهدين أمثال آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي(قدس) وآية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر(قدس) حيث حضر عنده في بداية تدريسه لبحث الخارج، واستمر بالحضور لدى هذين العلمين الكبيرين فترة طويلة وقد عرف(دام ظله) منذ سن مبكرة بنبوغه العلمي وقدرته الذهنية والفكرية العالية، مما جعل كبار العلماء والأوساط العلمية تفيض عليه ألواناً من الاحترام والاهتمام، ونال في أوائل شبابه عام 1384 هـ شهادة اجتهاد في علوم الفقه وأصوله وعلوم القرآن من المرجع آية الله العظمى الشيخ مرتضى آل ياسين. ولسماحته تقريرات للدروس التي تلقاها على مستوى المقدمات والسطوح وبحث الخارج تركها في النجف بسبب الهجرة من العراق فاستولى عليها أوغاد صدام ضمن مصادرتهم لممتلكاته، ومنها مكتبته وكتاباته.
 العطاء الفكري
 
 
 
 حرص(قدس) على تزكية علمه منذ شبابه وكان جل طموحه نشر ثقافة أهل بيت النبوة (ع) وتغذية الأمة بعطائهم الفكري(زكاة العلم أن تعلمه عباد الله)(1) ولذا تميز عن كثير من أقرانه بحركته الدؤوبة في المجال الثقافي والتبليغي مما حدى باللجنة المشرفة على مجلة الأضواء(2) إلى استدعاءه ليكون أحد المشرفين على المجلة، وكان انفتاحه الفكري على المنهج العلمي الأكاديمي وقناعته بضرورة التواصل الفكري الاكاديمي بين الجامعة والحوزة العلمية(3) واعتقاده الراسخ في ان كتاب الله هو اهم دعامات تقوم عليها تربية الجماعة الصالحة(1) سبباً في انتخابه للتدريس في كلية أصول الدين التي كانت ضمن المشروع الثقافي والاجتماعي العام لمرجعية الإمام الحكيم(قدس) ومؤسساتها وكان لشهيدنا الغالي جهود في التخطيط والاسناد والمتابعة لها، فأنتدب أستاذا لقسم علوم القرآن الكريم والشريعة والفقه المقارن للاستفادة من ثقافته وعلومه، وقد سجل نجاحا باهراً رغم حداثة سنه، حيث لا يزيد عمره آنذاك على الخمسة وعشرين عاما، ونظراً لقناعته المتأصلة في قيمومة المرجعية الدينية على هكذا مشاريع باعتبارها صاحبة الولاية الشرعية وافق على الانضمام الى اجتماعات الهيئة التدريسية والإشراف على مجلة(رسالة الإسلام(4)) ورغم صعوبة السفر والتنقّل حينذاك بين بيته في النجف الاشرف وكلية أصول الدين في بغداد الا انه ظل مواظباً على سفره الأسبوعي وتحمله مشاق السفر وإدارة الكلية خصوصا بعد غياب العلامة السيد مرتضى العسكري عن عمادة الكلية بسبب مطاردة البعثيين له بعد وصولهم إلى كرسي الحكم في العراق سنة 1968. غير ان حزب البعث الطائفي قرر منذ تسلمه السلطة ضرب البنية التحتية لثقافة أهل البيت(ع) والإجهاز على كل مراكزهم الثقافية، فكلية أصول الدين كانت واحدة من الأهداف التي استهدفها الفكر الطائفي للبعثيين، فتم مصادرتها من قبل نظام حكم حزب البعث عام 1975م 1395هـ وإغلاقها وبذلك حرموا المثقف الشيعي من الاستفادة من علوم أهل البيت على يد أكابر الأساتذة كشهيد المحراب(قدس)، وقد ترك هذا السلوك البعثي أثراً سلبياً في نفس الشهيد فهو يرى بأم عينيه تدمير مواقع الانتماء الأصيلة للمسلم واحداً تلو الآخر مما جعل أهداف العصابة البعثية تتضح في ذهنه يوما بعد آخر. لم تستطع كلية أصول الدين احتلال كل اهتمام شهيدنا، ولم تكن هي الإشراقة الوحيدة التي كان(قدس) يرى الآخرة من خلالها ـ رغم إن دخوله الحرم الجامعي بزيه العلمائي وانه نجل المرجع الديني ذلك الوقت كان يمثل خطوة كبيرة باتجاه العمل التبليغي للحوزة العلمية ونقلة ومنعطفا مهما في العقلية الأكاديمية آنذاك(1) ـ وإنما كان ذهنه الثاقب مملوءاً بالأفكار ونفسه الزكية مزدانة بالطموحات والهموم الحوزوية ألقت بظلالها على صفحة طموحاته فأقتطع جزءاً من وقته الشريف لتدريس المناهج الحوزوية على مستوى السطوح العالية إيمانا منه بضرورة رفد الحوزة العلمية بكوادر تمتاز بالعمق والدقة لتصون الجماعة الصالحة من وباء الأفكار المستوردة فأعطى كل ما عنده من عمق في الاستدلال ودقة في البحث والنظر حيث عُرف بقوة الدليل وتماسك الحجة ورصانة التفكير أعطى كل هذه الخصائص التي انعم الله بها عليه إلى تلامذته وطلابه كشقيقه الشهيد آية الله السيد عبد الصاحب الحكيم(قدس) الذي درس عنده الجزء الأول من الكفاية(2)، وحجة الإسلام والمسلمين السيد محمد باقر المهري، الذي درس عنده الجزء الثاني من الكفاية،وحجة الإسلام والمسلمين السيد صدر الدين القبانجي والعلامة الشهيد السيد عباس الموسوي الأمين العام السابق لحزب الله ـ لبنان ـ، والعلاّمة الشيخ أسد الله الحرشي، والفاضل الشيخ عدنان زلغوط، والسيد حسن النوري، والشيخ حسن شحاده، والشيخ هاني الثامر، وغير هؤلاء كثيرون اللذين استفادوا من سماحته(قدس) في مجال علوم الفقه وأصوله في حلقة درسه المتواضعة بمسجد الهندي(1) وفي إيران بدأ سماحته تدريس كتاب القضاء والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحكم الإسلامي على مستوى البحث الخارج. ولقناعته التامة بضرورة تواصل رجل الدين مع كل ما يطرح على الساحة الثقافية من افكار وطروحات جديدة سواء كانت قادمة عبر الكتب او المجلات او الصحف فقد كان مكثراً من المطالعة وقارئاً لا يمل القراءة في كتب التاريخ والتراث والسيرة فولّد عنده قدرة ممتازة على التحليل والنقد الموضوعي أهلته لان يكتب بعض الموضوعات التثقيفية لحزب الدعوة الاسلامية وقد نشر بعضها في(صوت الدعوة) عام 1959 وكان عمره حينذاك عشرين عاماً. وفي هذا الصدد صدرت له عدة كتب تعالج مختلف القضايا الحيوية والحساسة للامة، هي:
 ـ الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق (مطبوع).
 
 2ـ دور الفرد في النظرية الاقتصادية الإسلامية (مطبوع).
 
 3ـ حقوق الإنسان من وجهة نظر إسلامية (مطبوع).
 
 4ـ النظرية الإسلامية في العلاقات الاجتماعية.
 
 5ـ النظرية الإسلامية في التحرك الإسلامي (مطبوع).
 
 6ـ دعبل بن علي الخزاعي "شاعر أهل البيت(ع)" (مطبوع).
 
 7ـ أفكار ونظرات جماعة العلماء (مطبوع).
 
 8 ـ العلاقة بين القيادة الإسلامية والأمة (مطبوع).
 
 9ـ الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين، طبع عدة طبعات، آخرها في مصر سنة 2001م.
 
 10ـ القضية الكردية من وجهة نظر إسلامية (مطبوع).
 
 
 شهيد المحراب والقرآن
 روى عن النبي(ص) انه قال: إذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فانه شافع مشفع، وشاهد مصدق، من جعله أمامه قاده الى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه الى النار وهو اوضح دليل الى خير سبيل، من قال به صدق ووفق، ومن حكم به عدل، ومن أخذ به اجر(1).
 
 لا نبالغ كثيراً ولا قليلاً إن قلنا أن(شهيد المحراب) سار خلف القران حينما التبست الأمور على شيعة أهل البيت(ع) وأضحت كقطع الليل المظلم يتلمس أوضح الأدلة على الحق المهتضم والضائع بين جبروت الطغاة ونفاق الوعاظ، فالقران من وجهة نظره هو الركيزة الأساسية في حفظ الجماعة الصالحة حيث يقول:(لقد اهتم أهل البيت(ع) اهتماما خاصا ومتميزا بجانب الفكر والعقيدة، لأنه يعتبر الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه بناء أي جماعة بشرية. وبمقدار ما يكون هذا الجانب قويا وواضحا ومنسجما وشموليا، تكون الجماعة قوية وقادرة على مواجهة المصاعب والمشكلات والظروف المختلفة التي تفرزها حركة التاريخ.
 
 ومن خلال هذه الرؤية لدور الجانب العقائدي والفكري نجد أن القران الكريم يهتم به اكبر اهتمام، ويعالج ـ في المجتمع الجاهلي ـ القضية العقائدية والفكرية قبل كل شئ. ويرسخ في المجتمع(الجماعة الصالحة) هذه القضية)(2)، فليس غريباً بعد هذا أن نلاحظ اهتمام شهيدنا بالقران الكريم اهتماما بالغا منذ بداية حياته العلمية حتى شهادته، حيث عكف على دراسته وتدريسه وهو في احلك الظروف واشدها قسوة عليه، ففي إيران وفي ظل ظروف حياتية لا يحسد عليها انكب على تدريس علوم القران وتفسيره، مضافا إلى محاضراته القرآنية الكثيرة في الوسط الإيماني والتي ركز فيها مفاهيم القران، وتتوجت هذه الجهود بالتالي:
 
 
 1ـ علوم القرآن(مجموعة محاضرات ألقاها على تلامذته في كلية أصول الدين)، وقد نقحه وأضاف عليه وأعيد طبعه في أواخر عام 1417هـ، وهو كتاب كبير ومهم. وقد تمت ترجمته إلى اللغة الفارسية.
 
 2ـ القصص القرآني. كتاب كبير يدرس في الجامعة الدولية للعلوم الإسلامية في إيران، ويجري العمل الآن على ترجمته الى اللغة الفارسية
 
 3ـ الهدف من نزول القرآن وآثاره على منهجه في التغيير، وهو بالأصل بحث كتبه لأحد مؤتمرات الفكر الإسلامي المنعقدة في إيران، ثم قام بتوسيعه وتنقيحه فصدر في كتاب مستقل.
 
 4ـ مقدمة التفسير وتفسير سورة الحمد، وقد تناول فيه قصص أولي العزم ضمن منهج أعتمد فيه على القرآن وأحاديث أهل البيت(ع) مستبعداً الإسرائيليات التي دخلت في الحديث عن الأنبياء. ويجري العمل أيضاً على ترجمته من قبل إحدى دور النشر بطهران.
 
 5ـ منهج التزكية في القرآن.
 
 6ـ تفسير سورة الصف(مخطوط).
 
 7ـ تفسير سورة الجمعة(مخطوط).
 
 8ـ تفسير سورة المنافقون(مخطوط).
 
 9ـ تفسير سورة الحشر(مخطوط).
 
 10ـ تفسير سورة التغابن(مخطوط).
 
 11ـ المستشرقون وشبهاتهم حول القرآن، كتاب ألّفه في الستينات وطبع في العراق أواسط السبعينات. وهو مقتطف من محاضراته في علوم القرآن التي ألقاها على طلبة كلية أصول الدين ببغداد.
 
 12ـ الظاهرة الطاغوتية في القرآن(مطبوع).
 الذوبان في العترة
 قال رسول الله(ص): إني أوشك أن ادعى فأجيب، فإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزوجل وعترتي. كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا بماذا تخلفوني(1).
 
 يتلمس الدارس والمتتبع لمنهج(شهيد المحراب) انه(قدس) يقطر ولاءً لأئمة أهل البيت اعتقاداً منه اعتقاداً جازماً انهم الحق الذي لا يشوبه أي شك، وسفن النجاة التي أمر الله تعالى بركوبها، وان الإسلام دين لم
 يكتمل في رؤاه ونظرياته ان لم نتمسك بالعِدل الآخر، فهو(قدس) يقول:(ان أطروحة أهل البيت(ع) من أهم الاطروحات الإسلامية ذات الأبعاد المتعددة، العقائدية والفكرية والثقافية والتاريخية والاجتماعية. فهم امتداد للنبوة في خط الإمامة، وولاة الأمر اللذين أوجب الله طاعتهم وولايتهم ومودتهم.
 
 كما انهم عِدل القران الكريم الذي هو الثقل الأكبر، وأهل البيت(ع) هم الثقل الآخر الذي لن يفترق عن القران، بل هم علماء القران أيضا يفسرونه ويوضحونه ويبينونه ويكشفون غرائبه ويستخرجون كنوزه.
 
 وفي الوقت نفسه هم حملة السنة النبوية في تفاصيلها ومصاديقها، ويعرفون ما تؤول إليه الآيات والأحاديث في حاضرها ومستقبلها(2)
 
 فوجد(قدس) في سيرتهم وسلوكهم وأحاديثهم العلمية والتعليمية ثقافة غزيرة بكل أبعادها وان صورة الإسلام بما هو الدين الخاتم للشرائع السماوية، مشروع متكامل يعالج مشاكل الحياة وظروفها من جميع زواياها إنما تتكامل من خلال القرآن الكريم والعترة الطاهرة، فاستهوته الموسوعات التاريخية والحديثية منذ نعومة أظفاره، واصبح الحديث عن سيرة أهل البيت(ع) ملازما له في وصاياه ونداءاته ونصائحة وإرشاداته، ومن اجل تأصيل هذه الثقافة والمفاهيم السامية في نفوس اتباع اهل البيت(ع) كان له دور ريادي في تنضيج فكرة اقامة مهرجانات واحتفالات بالمناسبات الدينية في مختلف المدن العراقية، ولتكون في ذات الوقت تظاهرة تعبّر عن مواقف المرجعية تجاه قضايا الساعة التي تجري في العراق، فكانت تقام في النجف الاشرف بميلاد الإمام الحسين(ع) في الثالث من شعبان كل عام، وميلاد الإمام علي(ع) في كربلاء في الثالث عشر من رجب كل عام، ومولد الرسول الأعظم(ص) في الثاني عشر من ربيع الأول كل عام في بغداد، وميلاد الإمام الحجة القائم المنتظر الذي يقام في البصرة في الخامس عشر من شعبان كل عام.. فهو يرى انهم خير قدوة يمكن للبشر الاقتداء بهم، وثقافتهم خير دروع يتحصن بها اتباع محمد(ص). وقد عبرَّ قلمه الشريف عن هذا الولاء المتدفق بمجموعة من الكتب والبحوث عنهم(ع) هي:
 
 1ـ أهل البيت(ع) ودورهم في الدفاع عن الإسلام(مطبوع).
 
 2ـ دور أهل البيت(ع) في بناء الجماعة الصالحة، كتاب في مجلدين، مهم في بابه لدراسة حياة أئمة أهل البيت(ع)(مطبوع)، ويجري العمل حالياً على ترجمته إلى اللغة الفارسية.
 
 3ـ ثورة الإمام الحسين(ع)، وهو عبارة عن قسم من محاضراته التي ألقاها على أوقات مختلفة.(مطبوع)
 
 4ـ مأساة الحسين(ع) وتصعيد روح المقاومة.
 
 
 
 الشهيد والشعائر الحسينية
 صرخة الحسين(ع)(هيهات منا الذلة) كانت حية داخل وجدان(شهيد المحراب) رغم السنين المتمادية، فهو يفسرها(رضوان الله عليه) من خلال منظوره الإنساني بأنها صرخة عز وفخر أطلقها الحسين(ع) قبل قرون لتبقى مدوية في سماء الأحرار اللذين يأبون الضيم، وصرخة استنهاض لهمم المؤمنين الرساليين اللذين يأبون انحراف المسيرة المحمدية عن صراطها الذي اختطته السماء، فالحسين(ع) وشعائره أحد أهم صمامات الأمان التي تحفظ التوازن الديني والأخلاقي والسلوكي لشيعة أهل البيت(ع) فيقول:(ولا شك ان نهضة
 الحسين(ع) كان لها تأثير بالغ وكبير في حركة التاريخ الإسلامي وحياة المسلمين عامة، بحيث أدت تفاعلاتها الواقعية في حركة الأمة إلى حفظ الإسلام والأمة الإسلامية من كثير من مخاطر الانحراف. ولكن الشعائر الحسينية كان لها دور آخر مكمل لدور الثورة نفسها(1)) ويقول في مكان آخر :(وقد وضع الأئمة(ع) التصميم العام لهذه الشعائر وأعطوها أبعادها الدينية الكاملة، وحددوا الشكل والمضمون الذي يتناسب مع الدور المهم الذي لابد لها أن تؤديه من ناحية الشكل مع ظروف المأساة وأتباع أهل البيت(ع)، ومن ناحية المضمون مع الأبعاد السياسية والروحية والثقافية والعقائدية(2)). فكان(رضوان الله عليه) حريصا كل الحرص على إحياء هذه الشعائر على مدى اكثر من خمسة عقود من الزمن، وقد ترك بصماته عليها خلال هذه الفترة عبر مساهماته الفعالة فيها، والتي يمكن الإشارة إليها بالتالي:
 
 1ـ التزامه بتفقد المسيرة الراجلة لزيارة الإمام الحسين(ع) في أربعينه، وكان(قدس) يعتبرها فرصة لبث الروح الحسينة في نفوسهم.
 
 2ـ مواظبته على زيارة الإمام الحسين(ع) في المناسبات الدينية.
 
 3ـ كان أحد المنظرين والداعين لتنفيذ فكرة مواكب طلبة الجامعات التي كانت تعبر في خروجها أفواجاً أفواجاً عن النهج المرجعي الذي هو الامتداد الطبيعي لخط الإمامة، بل كان يشترك فيها ممثلاً عن والده المرجع الاعلى، ويلقي بها خطابا في الصحن الحسيني(3)
 
 4ـ قصة شهادة سيد الأحرار(ع) يوم عاشوراء مملوءة بالعبر الأخلاقية والإيمانية ودروس الجهاد والبطولة والتضحية، فكان سيدنا الشهيد ملتزماً بحضوره السنوي في كربلاء لقراءتها على الملأ في واحد من اكبر تجمعات الجماعة الصالحة. وبعد اضطراره للهجرة الى الجمهورية الإسلامية في إيران أبقى على التزامه هذا، وفكان يقرؤها في مسجد الإمام الرضا(ع) في قم المقدسة.
 
 5ـ في العشرة الأولى من محرم الحرام يعقد مأتماً ويحضره هو شخصيا في مكتبه الخاص بطهران.
 
 6ـ تأثر شهيدنا الحكيم من الناحية الروحية والولائية بوالده الإمام الحكيم(قدس)، بصورة كبيرة، حيث كان الإمام الحكيم في ليلة السابع من محرم(1) يقيم مأدبة عشاء كبرى يطلق عليها(عشاء العباس) فسار الابن على خطى أبيه، وكان ـ شهيد المحراب ـ يشرف بنفسه الزكية على إعداد وطبخ وتوزيع العشاء في مكتبه بطهران، وقبل العشاء يرتقي المنبر ليسلط الأضواء على تضحية وإيمان وتفاني أبي الفضل ويختم المحاضرة بالقصة الكاملة لشهادة قمر بني هاشم(ع).
 
 هذه امثلة يسيرة من معالم شخصيته(قدس) المرتبطة بالشعائر الحسينية، والحديث طويل.
 
 الشهيد بين مرجعيتين
 حياة المجاهد الشهيد امتازت بأنها عاصرت مرجعيتين مهمتين في وقت كانت تعصف بالعراق الأحداث الخطيرة المتوالية، فمرجعية الإمام الحكيم هي المرجعية الكبرى التي غطت مساحة العالم الشيعي بأطرافه المترامية، ومرجعية الشهيد الصدر كونها تمثل أنموذجا حديثا وطرازا جديدا في اسلوب عملها وطريقة تفكيرها، فهي على حداثتها استطاعت ان تستقطب بقوة الشريحة المثقفة من العراقيين، وشهيدنا كان متواجداً
 في اعماقهما معا، اعتقاداً منه بضرورة دعمها(ولكن المرجعية ازدادت أهميتها ودورها في أوساط اتباع اهل البيت(ع) عندما أخذت البلاد الإسلامية تتعرض للنفوذ والغزو الأجنبي، وتعرض الكيان الإسلامي لخطر الانحراف، ثم تعرض بعد ذلك لخطر الانهيار والزوال وسقطت الدولة الإسلامية، الأمر الذي جعل المراجع والمجتهدين أمام مسؤولية جديدة وهي الدفاع عن الوجود الإسلامي، ومن ثم العودة الى الإسلام بعد انحسار النظام الإسلامي عن المجتمع في مجال التطبيق الاجتماعي وحتى الفردي(2))، ففي نطاق مرجعية والده الإمام الحكيم كان سيدنا الشهيد مسؤولاً مباشراً عن الطلبة العراقيين وغيرهم ممن هم جديدي العهد بدخول الحوزة العلمية في النجف الاشرف، فكان يرعى شؤونهم العامة ويتدخل لحل مشاكلهم ومعاناتهم.
 
 كما كان مسؤولاً عن بعثة الحج الدينية لتسع سنوات متوالية(1960 ـ 1968م) التابعة لوالده الإمام الحكيم(قدس) فيسافر كل عام الى الحج يلتقي المسلمين، من أجل بث الوعي الديني في صفوفهم وتعليمهم الأحكام الشرعية وتنظيم أمورهم الدينية، وحصل حينها على وكالة مطلقة مؤرخة في 11 ذي القعدة 1383هـ من الإمام الحكيم.
 
 وعلى الصعيد الرسمي مثلَّ الإمام الحكيم في عدد من الأنشطة الرسمية، كحضوره في عدة مؤتمرات واجتماعات، منها حضوره مع العلامة الشهيد السيد محمد مهدي الحكيم ممثلين والدهما في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة سنة 1965، والمؤتمر الإسلامي الذي عقد في عمان بالأردن في أعقاب نكسة 5 حزيران عام 1967م - 1387هـ.
 
 وحين قام النظام البائد بعملية تسفير واسعة لعلماء وأساتذة وطلاب الحوزة العلمية في النجف الاشرف من الإيرانيين المقيمين في العراق، والعراقيين ذوي الأصول الايرانية، فأحتج الإمام الحكيم على ذلك بقطع زيارته لكربلاء التي كان يؤديها بمناسبة أربعين الإمام الحسين(ع) في العشرين من صفر عام 1389هـ، فعاد مسرعاً الى النجف، وتم اعلان ذلك على الناس. وعقد اجتماعاً كبيراً للعلماء لمتابعة هذا الأمر، فيما اضطر النظام إلى إرسال وفد كبير من بغداد برئاسة خير الله طلفاح محافظ بغداد وعضوية الوزير حامد علوان الجبوري، ومتصرف كربلاء آنذاك عبد الصاحب القرغولي وبعض المسؤولين الآخرين للتفاوض حول الأحداث، وهنا قدم سماحة السيد محمد باقر الحكيم في محضر الوفد الأدلة الثبوتية على وجود قرار للنظام بمحاربة الاسلام والدين بعد ان أنكر الوفد ذلك، وعلى أثر هذا اللقاء تم ايقاف التسفيرات بصورة مؤقتة.
 
 وفي عهد مرجعية الشهيد الصدر لم يتوان شهيدنا في دعم هذه المرجعية وتقديم المشورة لها، وبحكم امتلاكه تجربة ثرية في العمل الميداني المرجعي، وقدرة كبيرة على استشراف المستقبل وقراءة احداثه، اختصه الشهيد الصدر(قدس) بالمشورة والاستفادة من آراءه.
 
 وفي تحليل لمستقبل شيعة العراق ومرجعيته الدينية بعد وفاة الامام الحكيم انتهيا الى مايلي:
 
 الأول: انّ النظام البعثي قمعي ويخطط للدخول في تفاصيل حياة الناس، وهو لا يَترُك حتى لو يُترَك ولذلك فلا بد من أخذ زمام المبادرة في التحرك وعدم الاعتماد على حالة ردود الفعل.
 
 الثاني: انّ الأمة بدأت مرحلة جديدة من الوعي ولكنها غير متكاملة ولا منظمة وتحتاج إلى جهد متواصل يهتم بالكيف أكثر من الكم.
 
 
 
 الثالث: انّ النظام والاستكبار العالمي فتحا عيونهما على المرجعية وأهميتها ودورها الفاعل في الأمة وقدرتها التأثيرية الكبيرة على اتباع اهل البيت(ع) بعد خروجها من عزلتها على يد الامام الحكيم، ولذلك فسوف يواصل النظام التعرض للمرجعية والعمل على انهاء دورها أو تحجيمه.
 
 الرابع: وجود حاجة حقيقية لتوحيد المرجعية في العراق للمحافظة على ما تبقى من انجازات حققتها مرجعية الامام الحكيم وللاحتفاظ بقدرة المرجعية في المواجهة، ولذلك اهتم بارجاع الأوساط الشعبية إلى الامام الخوئي حيث كان هو المرشح لذلك.
 
 الخامس: ضرورة اعتماد المرجعية على جهازها وتشكيلاتها الخاصة بها من العلماء والمبلغين، مضافاً الى القوى والتشكيلات الثقافية والسياسية الاسلامية الأخرى.
 
 السادس: فصل المرجعية والحوزة وجهازها العام عن كل التنظيمات الاسلامية.
 
 السابع: ضرورة وضوح العلاقة الداخلية بين المرجعية والحوزة من ناحية والتنظيم الاسلامي الخاص من ناحية أخرى، وهي علاقة قيمومة المرجعية على العمل التنظيمي الاسلامي وقيادته وتوجيهه وارشاده.
 
 في صفر من عام 1397 ـ 1977 اندلعت اكبر انتفاضة شعبية بوجه البعثيين حيث شارك فيها عشرات الآلاف من أبناء العراق، وكان مركز انطلاقها مدينة النجف الأشرف، وشهد الطريق بين النجف وكربلاء اروع ملحمة بطولية سطرها أبناء العراق الغيارى، الامر الذي أدى الى تدخل القوات البرية المدرعة، والطائرات المقاتلة للسيطرة على المنتفضين، وارسل آية الله العظمى السيد الشهيد الصدر(قدس) سيدنا المجاهد ممثلاً عنه لتوجيه خطابه السياسي بالشكل الذي يحقق اهدافها في استمرار الشعائر الحسينية ويحبط مؤامرات النظام للالتفاف عليها، ولاشعار المنتفضين ان المرجعية معهم في موقفهم البطولي الرائع، وتمكن المجاهد السيد الحكيم من افشال مخطط النظام في ضرب الانتفاضة سياسياً.
 
 دخول(شهيد المحراب) في عمق المرجعيتين وحركته الدؤبة والمتواصلة في تنضيج العمل المرجعي والتنظير له، جعله في قلب الحدث دائما، بل على فوهة المدفع. فعيون النظام السرية كانت تلاحق سماحته اطراف الليل وآناء النهار، وكان نصيبه الاعتقال، ففي عام 1972م اعتقلته الاجهزة الامنية مع عدد من العلماء وفي مقدمتهم السيد الشهيد الصدر(قدس) وقد تعرض سماحته للتعذيب القاسي الشديد، حيث كان المعتقل الوحيد من بين المعتقلين الذي تم نقله الى بغداد، ولكنه صمد صمود الابطال ولم يكل او يستكين.. وعندما صدر قرار الإفراج عنه أصر على ان لا يخرج من السجن حتى يصدر قرار الافراج عن السيد الشهيد الصدر، وبالفعل تم إخباره بالافراج عن الشهيد الصدر(قدس)، حيث أطلق سراحه.
 
 وفي عام 1974م قام النظام بحملة واسعة من الاعتقالات ضد الاسلاميين شملت سيدنا الحكيم ايضا وبرفقة شهيدنا الصدر، ولكن جذوة الجهاد لم تخفت عنده، واستمر سيدنا المجاهد في نهجه الجهادي ضد النظام العفلقي حتى انطلقت انتفاضة صفر الاسلامية المباركة عام 1977م، بسبب تدخل النظام في الشعائر الحسينية ومنعه لأبناء الشعب العراقي من أداء مراسيم المواكب والزيارة مشياً على الاقدام للامام الحسين(ع) فتم اعتقاله من جديد وتعرض في هذه المرة لسلسلة من التعذيب النفسي والجسدي الشديد ومن ثم الحكم عليه بالسجن المؤبد. واطلق سراحه بعد حوالي سنة ونصف
.
 الشهيدة آمنة الصدر (بنت الهدى)
 
 
 
 الولادة والنشأة
 
 ولدت الشهيدة الخالدة آمنة بنت آية الله السيد حيدر الصدر (بنت الهدى) عام 1356هــ 1937م في مدينة الكاظمية، في بيت عريق في العلم والجهاد والتقوى. وكانت أصغر شقيقيها واختهما الوحيدة.
 
 ولم يختلف حالها عن حال باقي أسرتها في مكابدة الفقر والحرمان، وتحمل الصعاب والمشاق، بروح غمرها الإيمان والقناعة بأدنى ضروريات الحياة.
 
 لم تر بنت الهدى أباها و لا تتذكره وكأنها ولدت يتيمة، إلا أن الله عز وجل عوضها عن ذلك بأخويها المرحوم السيد إسماعيل الصدر وشهيدنا الغالي السيد الصدر ــ رضوان الله عليهم جميعاً ــ فقد أغدقا عليها حناناً ومحبة تفوق ما يتوقع اليتامى، وربّياها بما لم يربّ أب فلذة كبده.
 
 تعلمها القراءة والكتابة
 
 تعلمت الشهيدة بنت الهدى القراءة والكتابة في البيت على يد والدتها ــ رحمها الله ــ فكانت الأم هي المعلم الأول، وكانت والدتها تثني على ابنتها وقدرتها على التعلم و الاستيعاب والفهم، ثم استكملت مراحل تعليمها القراءة والكتابة على يد أخويها، وشمل ذلك علوم العربية في أكثر جوانبها، حتى تمكنت من كتابة الشعر في السنوات المبكرة من عمرها.
 
 وكانت الشهيدة بنت الهدى ــ رحمها الله ــ حريصة على تثقيف نفسها ثقافة إسلامية رفيعة، سواء في مراحل حياتها الأولى أو فترة ما قبل الاستشهاد.
 
 فتمكنت من توسيع أفق ثقافتها توسعاً شاملاً متعدد الأبعاد، وكتاباتها في مجلة الأضواء في تلك الفترة (1966) تعكس لنا جوانب من تلك الأبعاد، ذلك أن مجلة الأضواء التي كانت تصدرها جماعة العلماء في النجف الأشرف لم تكن منبراً إلا للنتاجات المتميزة فقط، وكانت بنت الهدى ــ رحمها الله ــ من أبرز من كتب فيها بل كانت الرائدة الأولى في الكتابة و التأليف.
 
 واذا لاحظنا الكتابات الإسلامية التي تستهدف المرأة المسلمة ثقافياً وتربوياً فسوف نجد فراغاً كبيراً ليس من اليسير ملؤه، إذ لا توجد كاتبات ولا كتابات إسلامية موجهة للمرأة تعالج مشاكلها الدينية والإجتماعية وتنهض بها ثقافياً وسياسياً، وتخلق فيها حالة من الوعي لما يجري حولها يحصنها من الانحراف والضلال، من ملاحظة تلك الأمور يمكن أن ندرك أهمية الوعي الذي امتازت به الشهيدة بنت الهدى والذي جعلها تقدم على خطوة جريئة ورائدة في مجال الكتابة الموجهة والهادفة لتثقيف المرأة المسلمة بما يضمن لها كرامتها ويحصنها من الانحراف والضياع.
 
 
 سلوكها داخل الأسرة
 
 من الأمور التي يجب أن تعرف عن بنت الهدى سلوكها داخل البيت والأسرة، لأنها كانت نمودجاً قل نظيره في ما سطرته من خلق رفيع خلال معايشة طويلة مع والدتها وأخيها وابنة عمها أم جعفر حفظها الله، وللحق كانت السيدة أم جعفر نمودجاً ضم الخصال الحميدة والخلق الرفيع في جانب، والتقوى والورع في جانب آخر، وكيف لا تكون كذلك وهى قرينة سيدنا الشهيد الصدر ــ رضوان الله عليه ــ وسليلة العلماء الأبرار.
 
 كان على الشهيدة بنت الهدى أن تقوم بعدة مهام في بيت أخيها، وهي:
 
 1 ــ المهام والوظائف التي تقوم بها تجاه السيد الشهيد الصدر، أو ما قد يكلفها به في مجالات متعددة، من تدريس أو إقامة ندوات، أو إشراف مباشر على مدارس دينية أو غير ذلك.
 
 2 ــ دورها في استقبال الضيوف من النساء، والاهتمام بتلبية حاجاتهن الفقهية والفكرية، والمساهمة في حل مشاكلهن العائلية والزوجية.
 
 3 ــ دورها في تربية بنات السيد الشهيد تربية لائقة وصحيحة.
 
 4 ــ دورها في خدمة والدتها المعظمة ــ رحمها الله ــ فقد كانت بحاجة إلى المزيد من العناية والاهتمام بسبب كبر العمر ولما تعاني من أمراض متعددة.
 
 5 ــ دورها في القيام ببعض شؤون البيت بالمساهمة مع أم جعفر حفظها الله.
 
 دور الشهيدة الثقافي والتبليغي
 
 كان للشهيدة ــ رحمها الله ــ عدة أدوار رئيسية على صعيد الجهاد الثقافي والتربوي والتبليغي، نستعرضها هنا باختصار.. 
 
 أولاً: مدارس الزهراء (عليها السلام)
 
 تعتبر السيدة الشهيدة بنت الهدى من المؤسسين أو المساهين في إنشاء مدارس الزهراء (ع) في بغداد والكاظمية والنجف ــ وكان ذلك في عام 1967م ــ ولم يكن الهدف منها سد حاجة المجتمع من المدارس الإبتدائية والثانوية فإن المدارس الحكومية كانت كافية لاستيعاب كل ما هو موجود من طالبات، وإنما كانت هناك ضرورات اقتضت إنشاء هذه المدارس، منها مواجهة الثقافات المادية التي تدعو إلى الفساد والانحراف والتردي الأخلاقي، ومنها السعي لنشر الثقافة الإسلامية الصحيحة والوعي الذي يجب أن ترقى إليه المرأة.
 
 إن مما لا شك فيه إن (المدارس) من أفضل الأساليب التي يمكن من خلالها تربية الأجيال وتثقيفهم، وهي الأسلوب الذي يناسب العصر ويلبي متطلباته.
 
 لقد استحصلت الموافقة على إنشاء هذه المدارس واعتمدت نفس المواد الدراسية في المدارس الحكومية، سواء في الابتدائية أو الثانوية، لكي لا يعيق ذلك الطالبات من مواصلة دراستهن بعد إنهاء الدراسة في مدارس الزهراء (ع)، وأضيف إلى ذلك عدة مواد منها دروس في العقيدة والتربية الإسلامية بشكل مكثف ورصين.
 
 ولقد امتدحت الأخت وجيهة الصيدلي وهي مديرة لمدارس الزهراء (ع) السيدة الشهيدة في مقال لها في (المنبر، العدد 24، ص 8) حيث لعبت دور المشرف والموجه لهذه المدارس حيث كانت تأتي ثلاثة أيام في الأسبوع فيما كانت الأيام الأخرى تقضيها في مراكز التعليم في النجف الأشرف... ولقد أثمرت جهود الشهيدة بنت الهدى فكان نتاجاً طيباً مباركاً رغم قلة الامكانات، ورغم المضايقات الأمنية والسياسية والإجتماعية حيث تقول السيدة وجيهة في نفس المقال: ومن المفرح أن أرى هنا في بريطانيا ــ وكذلك في الخليج ــ مجموعة من خريجات مدارس الزهراء، وأنا مسرورة لأنهن حققن أمل الشهيدة ــ كم كانت تتمنى أن ترى الزهور اليانعة في المدرسة أمهات رساليات وزوجات مجاهدات ــ جهاد المرأة حسن تبعلها، بل تأكد وتحقق ما عملت من أجله بل وضحت بنفسها الزكية. لقد أصبحت الزهور اليانعة موضع افتخار وشاهد عيان على تجربتها في مدارس الزهراء (عليها السلام) الأهلية...
 
 ثانياً: التدريس وإقامة الندوات
 
 كان للسيدة الشهيدة بنت الهدى ــ رحمها الله ــ منهج واسع في المجال التثقيفي، ويعتبر التدريس من أهم فقراته.
 
 والمشكلة التي كانت تعترض الطريق طبيعة الكتب الحوزوية التي لم تكتب للتدريس والمفتقرة إلى منهجية واضحة تعين الطالب على استيعابها وفهمها، إضافة إلى الطباعة السيئة والكتابة المتشابكة وهو ما يصطلح عليه بــ (الطباعة الحجرية).
 
 إلا أن الشهيدة بنت الهدى استطاعت أن تتغلب على تلك المشاكل بقربها من أخويها المرحوم السيد إسماعيل الصدر، وشهيدنا الخالد السيد الصدر ــ قدس الله سرهما ــ فاستطاعت أن تتجاوز كل تلك المشاكل بجدارة، وتمكنت من الإحاطة بالمواد العلمية الحوزوية ــ الفقهية والأصولية خاصة ــ مما مكنها من التدريس بكفائة عالية.
 
 وكان الهدف الحقيقي من إقامتها لحلقات التدريس في البيت ليس فقط تثقيف طالباتها وإنما إعدادهن لتحمل المسؤولية في المستقبل لممارسة نفس الدور، وخلق طاقات علمية نسائية قادرة على إيجاد حوزات علمية نسائية تتحمل دوراً كبيراً في نشر الثقافة الإسلامية من مصادرها النقية الصحيحة
 
 وإلى جانب التدريس نظمت الشهيدة ندوات ثقافية دينية عامة تطرح فيها الأفكار الإسلامية بأساليب تنسجم مع متطلبات العصر ومقتضياته، وقد نالت ندواتها نجاحاً منقطع النضير، وإقبالاً من مختلف الطبقات النسوية.
 
 كما كانت تأمل في إعادة النظر في الاحتفالات التي تقام في مناسبات الزواج بحيث تنسجم مع الأخلاق والآداب الإسلامية وتكون مناسبة جيدة لفهم حقيقة الزواج في الإسلام وأهدافه وما يجب أن يكون عليه الزوج وكذلك الزوجة من أخلاق عالية وانسجام كامل وعدم اهتمام بالأمور المادية بشكل يحافظ على طابع السرور والفرح الذي تتسم به تلك المناسبات،. 
 
 ثالثا: الكتابة والتأليف
 
 تعتبر الشهيدة بنت الهدى الرائدة الأولى في الكتابة والتأليف واستعمال الأسلوب القصصي في إيصال الأفكار أو التوجيهات. وأقول إنها (رائدة) لأننا لم نعهد في النجف ــ بالرغم من أنها تضم الحوزة العلمية والمرجعية الدينية ــ كاتبة إسلامية سبقت الشهيدة بنت الهدى في هذا المجال.
 
 وهي مع ذلك كانت متواضعة بسيطة لم تستهدف الشهرة والظهور، وما يؤيد هذه الحقيقة إن الشهيدة السعيدة آمنة الصدر اختارت اسماً لها هو ما نعرفه بها (بنت الهدى) تجنباً للشهرة والرياء وحب الذات، ولم يكن هناك ضير في كتابة اسمها الحقيقي لا شرعاً ولا عرفاً. كما لم يكن ذلك بسبب الظروف الأمنية لأن (جهاز مراقبة المطبوعات) في العراق لا يتعرف إلا بالاسم الحقيقي لإصدار إجازة الطبع، والسبب فقط هو نكرانها لذاتها وعزوفها عن الشهرة. ولقد بدأت الشهيدة كما قلنا سابقاً الكتابة في مجلة الأضواء التي تصدرها جماعة العلماء، وكذلك في مجلة الإيمان التي أصدرها المرحوم الشيخ موسى اليعقوبي.
 
 وقد تميزت فيما كتبت، فنجد كتاباتها تحمل روحاً جديدة وفكراً واضحاً وسلاسة وعذوبة ومعالجات لمشاكل معاصرة، وابتعدت كل البعد عن مظاهر الاستعراضات الفارغة التي تستهدف إبراز الشخصية وحب الظهور
 
 مؤلفات الشهيدة بنت الهدى:
 
 1 ــ الفيلة تنتصر.
 
 2 ــ الخالة الضائعة.
 
 3 ــ امراتان ورجل.
 
 4 ــ صراع.
 
 5 ــ لقاء في المستشفى.
 
 6 ــ مذكرات الحج.
 
 7 ــ ليتني كنت أعلم.
 
 8 ــ بطولات المرأة المسلمة.
 
 9 ــ كلمة ودعوة.
 
 10 ــ الباحثة عن الحقيقة.
 
 11 ــ المرأة مع النبي.
 
 ولها مؤلفات أخرى مخطوطة صادرتها السلطة الحاكمة في العراق عند مصادرتها لمحتويات بيت السيد الصدر ــ رضوان الله عليه ــ بعد استشهاده وقد يكون بعضها محفوظاً.
 
 رابعا: رحلاتها للحج
 
 وكان قلب الشهيدة بنت الهدى ــ رحمها الله ــ يهوي البيت الحرام والمشاهد المشرفة في تلك الديار المقدسة، كانت إذا حانت أيام الحج تأخذها حالة من الشوق عجيبة وفرحة غامرة تملأ جوانحها فتراها مشدودة بصدق إلى الله عز وجل وكأنها تريد أن تستذكر بسرعة أيام الإسلام الأولى في مهده الطاهر وتعيش مع المسلمات في عصر الرسالة أعباء حمل الرسالة، وتستمد العزم والتصميم منهن.
 
 فكانت الشهيدة تذهب إلى الحج كمرشدة دينية في إحدى "الحملات" التي تذهب إلى الحج من بغداد أو الكاظمية، تعلم النساء مسائل الحج وأحكامه فكانت من الناحية الفقهية محيطة بفتاوى العديد من المراجع، وكانت تجيب كل حاجّة على وفق من تقلد من المجتهدين، وقد يحدث أن تقع مسائل نادرة وغير موجودة في الرسائل العملية للفقهاء وفي هذا الفرض كانت تتصل هاتفياً بالسيد الشهيد الصدر ــ رحمه الله ــ لتتلقى منه الحكم الشرعي. وإلى جانب ذلك كانت تسعى إلى التعرف على أوضاع المسلمين في مختلف أنحاء العالم، وتنشر الثقافة الإسلامية الصحيحة بما يناسب الأوضاع حينها. 
 
 خامساً: دور الرابط بين المرجع والمراجعات
 
 كان للسيدة الشهيدة دور كبير في الربط بين سيدنا الشهيد وبين القطاعات النسائية، فكانت تنقل بأمانة ما يعرض للنساء من مسائل فقهية قد يترددن بسبب الحياء من توجيهها إلى السيد الصدر مباشرة، تعينها في ذلك بعض الأحيان السيدة الطاهرة أم جعفر ــ حفظها الله ــ بحسب المناسبة وطبيعة الموضوع.
 
 ولم يكن هذا فقط، فقد كانت مهتمة بكل القضايا التي تشغل الساحة ومنها القضايا السياسية والثقافية، وأخصها بالذات خطوات الحزب الحاكم وحكومة البعث للسيطرة على المجتمع النسوي من خلال أطروحات وقنوات أعدتها كاتحاد النساء والطلائع والفتوة والجمعيات النسائية وأمثالها، وكان أهم تلك القضايا هو مسألة الانتماء لحزب البعث كشرط فرضته السلطة للقبول في المؤسسات والجامعات أو التوظيف الحكومي.
 
 إن هذه المشكلة كانت من الهموم الثابتة في قاموس الشهيدة بنت الهدى فهي تعرف معنى انتماء المرأة لحزب البعث وما يتبعه من التزامات ومظاهر تسخط الله تعالى، وتعرف كذلك ما تعنيه استقالة الموظفة المسلمة المؤمنة التي ترفض الانتماء لحزب البعث، وما يسببه لها من مشاكل مادية ومحاسبة أمنية، إذ إن عدم الانتماء يعتبر جريمة كبيرة، فلا حياد، فإما معي وإما ضدي، وهذه هي لغة السلطة الحاكمة في العراق وأسلوبها.
 
 وكان للسيدة عدد من المؤمنات ممن كن قد انتمين إلى حزب البعث انتماء صورياً في زمن لم يكن يعرفن إن الانتماء حرام، فكن ينقلن للشهيدة تفاصيل ما يجري في الحزب من مخططات ومؤامرات يحوكها ضد المرأة العراقية والمتدينات منهن على الخصوص، وكانت الشهيدة تنقل ذلك للسيد الشهيد بدقة.
 
 وبهذا الصدد تقول السيدة وجيهة في نفس مقالها السابق عن أمثال هذا النشاط ما يلي:
 
 "يخطئ من يقول أو يظن أن الشهيدة اقتصر عملها على التوجه التربوي والاجتماعي بل كانت تعمل في المجال السياسي بشكل واع ودقيق لظروفها والمرحلة التي تعيشها، حيث كانت تتحرك ضمن رؤية واضحة المعالم؛ فكانت تقوم بشرح الموقف السياسي المطلوب آنذاك لجميع من يعمل معها وتعبئة النساء على مقاومة النظام ومخططاته وأساليبه التي تدعو وتضغط على النساء عموماً بالانخراط لحزب البعث، وبالتالي التخلي عن القيم والمفاهيم الإسلامية. وساهمت في تربية المرأة على الورع عن محارم الله تعالى، وفي تكوين الروح الجهادية ضد أعداء الإسلام..."
 
 وكانت السيدة الشهيدة تستمد رؤيتها السياسية النهائية من السيد الصدر نفسه، وكانت في أحيان كثيرة تناقش المواضيع والأحداث معه بصراحة ووضوح، وكان ــ رحمه الله ــ يستمع إليها بدقة ويحترم وجهات نظرها.
 
 شريكة المسيرة والمصير
 
 إذا كان لأحد أن يعتز بمشاركته لسيدنا الشهيد الصدر ــ رضوان الله عليه ــ في مسيرته الجهادية فلا يعدو ذلك الشهيدة بنت الهدى رحمها الله. لقد كتب لها ذلك، وكانت أهلاً له......
 
 شاركته اليتم والفقر والحرمان في مراحل الطفولة الأولى، وشاركته ما كابد من هموم ومشاكل ليس بمقدور كل أحد استيعابها، وشاركته الصراع المرير مع سلطة جبارة عاتية كفرت بكل القيم والموازين فوقفت معه في صف المواجهة الأول في انتفاضة رجب عام 1979م، وشاركته شرف الاستشهاد في غرف الأمن العامة في بغداد، وشاركته قبره الشريف في النجف الأشرف.
 
 إذ لها كل الحق ــ للأمانة التاريخية ــ أن تعتبر شريكة السيد الشهيد الصدر رضوان الله عليه.
 
 بدأت مسيرة المواجهة الجهادية للسيدة الشهيدة منذ الاعتقال الأول للسيد ــ رضوان الله عليه ــ عام 1971م (1392) هــ.
 
 ثم جاءت انتفاضة صفر عام 1977م (1397)هــ فتعرض السيد الشهيد للاعتقال، وكانت تلك الأيام من الأيام العصيبة في تاريخ النجف حيث عم الخوف والرعب كل مكان، وكانت حشود السلطة في كل مكان تعتقل كل من يقع في قبضتها. أما بنت الهدى فكانت البطلة التي وقفت دون خوف في رباطة جأش وشجاعة غريبة حتى عاد السيد الشهيد ــ رضوان الله عليه ــ من بغداد.
 
 عندما خرج السيد مع مدير أمن النجف خرجت معه وسبقتهما إلى حيث تقف السيارة وخطبت في الجموع منددة بجلاوزة النظام وما يفعلونه صارخة ومرحبة بالموت إذا كان في سبيل الله.
 
 وفي صباح يوم السابع عشر من رجب 1399هــ (1979)م، تم الاعتقال للشهيد فقامت الشهيدة بنت الهدى بالذهاب إلى حرم الإمام أمير المؤمنين بالنجف الأشرف ونادت بأعلى صوتها:
 
 "الظليمة الظليمة يا جداه يا أمير المؤمنين لقد اعتقلوا ولدك الصدر.. يا جداه يا أمير المؤمنين، إني أشكوا إلى الله وإليك ما يجري علينا من ظلم واضطهاد"
 
 ثم خاطبت الحاضرين فقالت:
 
 "أيها الشرفاء المؤمنون، هل تسكتون وقد اعتقل مرجعكم، هل تسكتون وإمامكم يسجن ويعذب؟ ماذا ستقولون إذاً لجدي أمير المؤمنين إن سألكم عن سكوتكم وتخاذلكم ؟ اخرجوا وتظاهروا واحتجوا.."
 
 يا له من خطاب يدل على شجاعتها وقوتها وعدم خوفها من النظام الحاكم وأتباعه.
 
 وبعد لحظات نظمت تظاهرة انطلقت من حرم الإمام علي (ع) ساهمت فيها المرأة مع الرجل، وأدت إلى إجبار السلطة على الافراج عن السيد الشهيد الصدر.
 
 وكان من أثر هذه التظاهرة أن أفرج عن السيد بعد ساعات قليلة من اعتقاله.
 
 شهادتها ودفنها
 
 الاجرام والوحشية.. القسوة والارهاب.. صفات وخصائص النظام العفلقي الحاكم في العراق، لم يتورع النظام من استعمال كل وسائل الارهاب في معالجة مشاكله مع الشعب العراقي أو مع الدول المجاورة للعراق.
 
 هل يمكن لحاكم يعيش في بلد الحضارات وفي القرن العشرين أن ينهج نهجاً قمعياً لفرض سيطرته على الشعب ؟
 
 نعم هذا ما فعله صدام مع جيرانه من البلدان حينما قصف المدن الإيرانية بالصواريخ وقتل المدنيين فيها، وكذلك عندما قصف حلبجة بالغازات السامة "وحلبجة مدينة عراقية لا اسرائيلية". ثم هجومه على الكويت آخر ضحية لهذا الطاغية، فما جرى لشعبها من قتل وتعذيب وانتهاكات للقيم والأخلاق وحتى لأبسط المبادئ الإنسانية لا يمكن أن يصدق لولا الوثائق الدامغة التي لا تقبل الشك.
 
 وبقيت مأساة العراق في جانبها الأعظم غير موثقة، وهي مأساة لا نظير لها في تاريخ البشرية.
 
 لقد قام المجرم التكريتي بقتل السيد الصدر وأخته بنت الهدى ــ رضوان الله عليهما ــ بنفسه؛ فهو الذي أطلق النار عللقد كانت حليمة عاقلة تقابل الإساءة يهما بعد أن شارك في تعذيبهما.
 
 يتحدث صاحب كتاب الشهيدة بنت الهدى كيف روت له ثلاثة مصادر كيفية حدوث المأساة كما يرويها أحد قوات الأمن ممن كان حاضراً في غرفة الاعدام، قال:
 
 "احضروا السيد الصدر إلى مديرية الأمن العامة فقاموا بتقييده بالحديد، ثم جاء المجرم صدام التكريتي، فقال باللهجة العامية: (ولك محمد باقر تريد تسوي حكومة)، ثم أخذ يهشم رأسه ووجهه بسوط بلاستيكي صلب.
 
 فقال له السيد الصدر: (أنا تارك الحكومات لكم). وحدث جدال بينهما عن هذا الموضوع وعن علاقته بالثورة الإسلامية في إيران، مما أثار المجرم صدام فأمر جلاوزته بتعذيب السيد الصدر تعذيباً قاسياً. ثم أمر بجلب الشهيدة بنت الهدى ــ ويبدو أنها كانت قد عذبت في غرفة أخرى ــ جاءوا بها فاقدة الوعي يجرونها جراً، فلما رأها السيد استشاط غضباً ورقّ لحالها ووضعها. فقال لصدام: إذا كنت رجلاً ففك قيودي. فأخذ المجرم سوطاً وأخذ يضرب العلوية الشهيدة وهي لا تشعر بشيء. ثم أمر بقطع ثدييها مما جعل السيد في حالة من الغضب، فقال للمجرم صدام (لو كنت رجلاً فجابهني وجهاً لوجه ودع أختي، ولكنك جبان وأنت بين حمايتك)، فغضب المجرم وأخرج مسدسه فأطلق النار عليه ثم على أخته الشهيدة وخرج كالمجنون يسب ويشتم".
 
 وفي مساء يوم التاسع من نيسان عام 1980 م وفي حدود الساعة التاسعة أو العاشرة مساءً، قطعت السلطة التيار الكهربائي عن مدينة النجف الأشرف. وفي ظلام الليل الدامس تسللت مجموعة من قوات الأمن إلى دار المرحوم الحجة السيد محمد صادق الصدر ــ رحمه الله ــ فطلبوا منه الحضور إلى بناية محافظة النجف، وهناك سلّموه جنازة السيد الشهيد وأخته الطاهرة بنت الهدى، وحذروه من الإخبار عن شهادة بنت الهدى، ثم أخذوه إلى مقبرة وادي السلام ووارهما الثرى.
 
 ذهبت شهيدتنا الغالية إلى ربّها راضية مرضية لتحيا عند أمها الزهراء، وتشكو لها عذاب تسعة أشهر ما أقساها، وسياط المجرمين وتعذيبهم وما أشدها، وتقطيع جسد طاهر نذرته لرسالة جدها (ع)، لتشكو لها خذلان الخاذلين، وسكوت الساكتين، وشماتة الشامتين، وتفرج المتفرجين.
 
 ذهبت بنت الهدى وبقي دمها في أعناق الجميع أمانة ما أثقلها في ميزان حساب الأمم عند الله تعالى وعند التاريخ.